الآلوسي

29

تفسير الآلوسي

ثناءاً عليك أنت كما أثنيت على نفسك " ؛ وأما البحر : فليونس عليه السلام قال فيه : * ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الضالمين ) * فلشرفها بذلك أقسم الله تعالى بها ، وأما ذكر * ( الكتاب ) * فلأن الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن كلام والكلام في الكتاب ، وأما ذكر السقف المرفوع فلبيان رفعة البيت المعمور ليعلم عظمة شأن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر وجهاً آخر ، ولعمري إنه لم يأت بشيء فيهما ، والواو الأولى للقسم وما بعدها على ما قال أبو حيان للعطف ، والجملة المقسم عليها قوله تعالى : * ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ) * . * ( إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقعٌ ) * أي لكائن على شدّة كأنه مهيأ في مكان مرتفع فيقع على من يحل به من الكفار ؛ وفي إضافته إلى الرب مع إضافة الرب إلى ضميره عليه الصلاة والسلام أمان له صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أن العذاب واقع بمن كذبه ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما - واقع - بدون لام ، وقوله تعالى : * ( مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ ) * . * ( مَّا لَهُ من دَافع ) * خبر ثان - لان - أو صفة * ( لواقع ) * أو هو جملة معترضة ، و * ( من دافع ) * إما مبتدأ للظرف أو مرتفع به على الفاعلية ، و * ( من ) * مزيدة للتأكيد ولا يخفى ما في الكلام من تأكيد الحكمة وتقريره ؛ وقد روى أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ من أول السورة إلى هنا فبكى ثم بكى حتى عيد من وجعه وكان عشرين يوماً ، وأخرج أحمد . وسعيد بن منصور . وابن سعد عن جبير بن مطعم قال : قدمت المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكلمه في أساري بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقرأ * ( والطور ) * إلى * ( إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع ) * ( الطور : 1 - 8 ) فكأنما صدع قلبي ، وفي رواية فأسلمت خوفاً من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب ، وهو لا يأبى أن يكون المراد الوقوع يوم القيامة ومن غريب ما يحكى أن شخصاً رأى مكتوباً في كفه خمس واوات فعبرت له بخير فسأل ابن سيرين فقال : تهيأ لما لايسر فقال له : من أين أخذت هذا ؟ فقال : من قوله عز وجل : * ( والطور ) * إلى * ( إن عذاب ربك لواقع ) * ( الطور : 1 - 7 ) فما مضى يومان أو ثلاثة حتى أحيط بذلك الشخص ، وقوله سبحانه : * ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْراً ) * . * ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً ) * منصوب على الظرفية وناصبه * ( واقع ) * أو * ( دافع ) * أو معنى النفي وإيهام أنه لا ينتفي دفعه في غير ذلك اليوم بناءاً على اعتبار المفهوم لا ضير فيه لعدم مخالفته للواقع لأنه تعالى أمهلهم في الدنيا وما أهملهم ، ومنع مكي أن يعمل فيه * ( واقع ) * ولم يذكر دليل المنع ولا دليل له فيما يظهر ، ومعنى * ( تمور ) * تضطرب كما قال ابن عباس أن ترتج وهي في مكانها ، وفي رواية عنه تشقق ، وقال مجاهد : تدور ، وأصل المور التردد في المجيء والذهاب ، وقيل : التحرك في تموج ، وقيل : الجريان السريع ، ويقال للجري مطلقاً وأنشدوا للأعشى : كأن مشيتها من بيت جارتها * ( مور السحابة لا ريث ولا عجل ) * ( وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً ) * . * ( وَتَسيرُ الجبَالُ سَيْراً ) * عن وجه الأرض فتكون هباءاً منبثاً ، والإتيان بالمصدرين للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة أي موراً عجيباً وسيراً بديعاً لا يدرك كنههما . * ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) * . * ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذ ) * أي إذا وقع ذلك أو إذا كان الأمر كما ذكر فويل يوم إذ يقع ذلك * ( لِّلْمُكَذِّبينَ ) * . * ( الَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ) * . * ( الَّذينَ هُمْ في خَوْض يَلْعَبُونَ ) * أي في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب يلهون ، وأصل الخوف المشي في الماء ثم تجوز فيه عن الشروع