الآلوسي
119
تفسير الآلوسي
وخصر تثبت الأبصار فيه * كأن عليه من حدق نطاقاً انتهى فلا تغفل ، والأكثرون على أول المعنيين اللذين ذكرناهما بل في بعض الأخبار ما يدل على أنه تفسير نبوي . أخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك " لا ينظرن إلا إلى أزواجهن " ومتى صح هذا ينبغي قصر الطرف عليه ، وفي بعض الآثار تقول الواحدة منهن لزوجها : وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي ، و * ( الطرف ) * في الأصل مصدر فلذلك وحد * ( لَمْ يَطْمثْهُنَّ إنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ ) * قال ابن عباس : لم يفتضهن قبل أزواجهن إنس ولا جان ، وفيه إشارة إلى أن ضمير قبلهن للأزواج ، ويدل عليه * ( قاصرات الطرف ) * وفي البحر هو عائد على من عاد عليه الضمير في * ( متكئين ) * ، وأصل الطمث خروج الدم ولذلك يقال للحيض طمث ، ثم أطلق على جماع الأبكار لما فيه من خروج الدم ، وقيل : ثم عمم لكل جماع ، وهو المروى هنا عن عكرمة ، وإلى الأول ذهب الكثير ، وقيل : إن التعبير به للإشارة إلى أنهن يوجدن أبكاراً كلما جومعن ، ونفي طمثهن عن الأنس ظاهر ، وأما عن الجن فقال مجاهد . والحسن : قد تجامع الجن نساء البشر مع أزواجهن إذا لم يذكر الزوج اسم الله تعالى فنفي هنا جميع المجامعين وقيل : لا حاجة إلى ذلك إذ يكفي في نفي الطمث عن الجن إمكانه منهم ، ولا شك في إمكان جماع الجنى إنسية بدون أن يكون مع زوجها الغير الذاكر اسم الله تعالى ، ويدل على ذلك ما رواه أبو عثمان سعيد بن دواد الزبيدي قال : كتب قوم من أهل اليمن إلى مالك يسألونه عن نكاح الجن وقالوا : إن ههنا رجلاً من الجن يزعم أنه يريد الحلال فقال ما أرى بذلك بأساً في الدين ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل قيل : من زوجك ؟ قالت : من الجن فيكثر الفساد في الإسلام ، ثم إن دعوى أن الجن تجامع نساء البشر جماعاً حقيقياً مع أزواجهن إذا لم يذكروا اسم الله تعالى غير مسلمة عند جميع العلماء ، وقوله تعالى : * ( وشاركهم في الأموال والأولاد ) * ( الإسراء : 64 ) غير نص في المراد كما لا يخفى ، وقال ضمرة بن حبيب : الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف من الجن نوعهم ، فالمعنى لم يطمث الانسيات أحد من الإنس ، ولا الجنيات أحد من الجن قبل أزواجهن ، وقد أخرج نحو هذا عنه ابن أبي حاتم ، وظاهره أن ما للجن لسن من الحور . ونقل الطبرسي عنه أنهن من الحور وكذا الانسيات ، ولا مانع من أن يخلق الله تعالى في الجنة حوراً للإنس يشاكلنهم يقال لهن لذلك إنسيات ، وحوراً للجن يشاكلنهم يقال لهن لذلك جنيات ، ويجوز أن تكون الحور كلهن نوعاً واحداً ويعطي الجنى منهن لكنه في تلك النشأة غيره في هذه النشأة ، ويقال : ما يعطاه الانسي منهن لم يطمثها إنسي قبله ، وما يعطاه الجنى لم يطمثها جنى قبله وبهذا فسر البلخي الآية ، وقال الشعبي . والكلبي : تلك القاصرات الطرف من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشئن النشأة الآخرة خلق قبل ، والذي يعطاه الإنسي زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا ويعطي غيرها من نسائها المؤمنات أيضاً . وكذا الجنى يعطي زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا من الجن ويعطي غيرها من نساء الجن المؤمنات أيضاً ، ويبعد أن يعطي الجنى من نساء الدنيا الإنسانيات في الآخرة . والذي يغلب على الظن أن الانسي يعطي من الانسيات والحور والجنى يعطي من الجنيات والحور ولا يعطي إنسي جنية ، ولا جنى إنسية وما يعطاه المؤمن إنسياً كان أو جنياً من الحور شيء يليق به وشتهيه نفسه ، وحقيقة تلك النشأة وراء ما يخطر بالبال ، واستدل بالآية على أن الجن يدخلون الجن ويجامعون فيها كالإنس فهم باقون فيها منعمين كبقاء المعذبين منهم في النار ، وهو مقتضى ظاهر ما ذهب إليه أبو يوسف . ومحمد . وابن أبي ليلى .