الآلوسي
44
تفسير الآلوسي
وقرأ المفصل عن عاصم * ( ويثبت ) * مخففاً . * ( والَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) * . * ( وَالَّذينَ كَفَرُوا فَتَعْسَاً لَّهُمْ ) * من تعس الرجل بفتح العين تعساً أي سقط على وجهه ، وضده انتعش أي قام من سقوطه ، وقال شمر . وابن شميل . وأبو الهيثم . وغيرهم : تعس بكسر العين ، ويقال : تعساً له ونكساً على أن الأول - كما قال ابن السكيت - بمعنى السقوط على الوجه والثاني بمعنى السقوط على الرأس ، وقال الحمصي في " حواشيه على التصريح " : تعس تعساً أي لا انتعش من عثرته ونكساً بضم النون وقد تفتح إما في لغة قليلة وإما اتباعاً لتعساً ، والنكس بالضم عود المرض بعد النقه ، ويراد بذلك الدعاء ، وكثر في الدعاء على العاثر تعساً له ، وفي الدعاء له لعاً له أي انتعاشاً وإقامة ، وأنشدوا قول الأعشى يصف ناقة : كلفت مجهولة نفسي وشايعني * همي عليها إذا ما آلها لمعا بذات لوث عفرناة إذا عثرت * فالتعس أولى لها من أن أقول لعا وقال ثعلب . وابن السكيت أيضاً التعس الهلاك ، ومنه قول مجمع بن هلال : تقول وقد أفردتها من حليلها * تعست كما أتعستني يا مجمع وفي " القاموس " التعس الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط والفعل كمنع وسمع أو إذا خاطبت قلت : تعست كمنع وإذا حكيت قلت : تعس كسمع ، ويقال : تعسه الله تعالى وأتعسه ورجل تاعس وتعس ، وانتصابه على المصدر بفعل من لفظه يجب إضماره لأنه للدعاء كسقيا ورعياً فيجري مجرى الأمثال إذا قصد به ذلك ، والجار والمجرور بعده متعلق بمقدر للتبيين عند كثير أي أعني له مثلاً فنحو تعساً له جملتان . وذهب الكوفيون إلى أنه كلام واحد ، ولابن هشام في هذا الجار مذكور في بحث لام التبيين فلينظر هناك . واختلفت العبارات في تفسير ما في الآية الكريمة ، فقال ابن عباس : أي بعداً لهم . وابن جريج . والسدي أي حزناً لهم ، والحسن أي شتماً لهم ، وابن زيد أي شقاء لهم ، والضحاك أي رغماً لهم ، وحكى النقاش تفسيره بقبحا لهم ، وقال غير واحد : أي عثوراً وانحطاطاً لهم ، وما ألطف ذكر ذلك في حقهم بعد ذكر تثبيت الاقدام في حق المؤمنين ، وفي رواية عن ابن عباس يريد في الدنيا القتل وفي الآخرة التردي في النار ، وأكثر الأقوال ترجع إلى الدعاء عليهم بالهلاك . وجوز الزمخشري في إعرابه وجهين . الأول : كونه مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف كما تقدم . والثاني : مفعولاً به لمحذوف أي فقضى تعساً لهم ، وقدر على الأول القول أي فقال : تعساً لهم ، والذي دعاه لذلك على ما قيل جعل * ( الذين ) * مبتدأ والجملة المقرونة بالفاء خبراً له وهي لانشاء الدعاء والإنشاء لا يقع خبراً بدون تأويل ، فأما أن يقدر معها قول أو تجعل خبراً بتقدير قضى ، وجعل قوله تعالى : * ( وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) * عطفاً على ما قدر . وفي " الكشف " المراد من قال : تعساً لهم أهلكهم الله لا أن ثم دعاء وقولاً ، وذلك لأنه لا يدعي على شخص إلا وهو مستحق له فإذا أخبر تعالى أنه يدعو عليه دل على تحقق الهلاك لا سيما وظاهر اللفظ أن الدعاء منه عز وجل ، وهذا مجاز على مجاز أعني أن القول مجاز وكذلك الدعاء بالتعس ، ولم يجعل العطف على * ( تعساً ) * لأنه دعاء ، و * ( أضل ) * أخبار ، ولو جعل دعاء أيضاً عطفاً على * ( تعساً ) * على التجوز المذكور لكان له وجه انتهى . وأنت تعلم أن اعتبار ما اعتبره الزمخشري ليس لأجل أمر العطف فقط بل لأجل أمر الخبرية أيضاً ، فإن قيل بصحة الاخبار بالجملة الإنشائية من غير تأويل استغنى عما قاله بالكلية ، ودخلت الفاء في خبر الموصول لتضمنه معنى الشرط .