الآلوسي
45
تفسير الآلوسي
وجوز أن يكون الموصول في محل نصب على المفعولية لفعل مقدر يفسره الناصب - لتعساً - أي اتعس الله الذين كفروا أو تعس الله الذي كفروا تعساً لما سمعت عن " القاموس " وقد حكى أيضاً عن أبي عبيدة ، والفاء زائدة في الكلام كما في قوله تعالى : * ( وربك فكبر ) * ( المدثر : 3 ) ويزيدها العرب في مثل ذلك على توهم الشرط ، وقيل : يقدر الفعل مضارعاً معطوفاً على قوله تعالى : * ( يثبت ) * أي ويتعس الذين الخ . والفاء للعطف فالمراد اتعاس بعد اتعاس ، ونظيره قوله تعالى : * ( وإياي فارهبون ) * أو لأن حق المفسر أن يذكر عقب المفسر كالتفصيل بعد الاجمال ، وفيه مقال . * ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) * . * ( ذالكَ ) * أي ما ذكر من التعس والإضلال * ( بأَنَّهُمْ ) * بسبب أنهم * ( كَرهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) * من القرآن لما فيه من التوحيد وسائر الأحكام المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة بالسوء ، وهذا تخصيص وتصريح بسببية الكفر بالقرآن للتعس والإضلال إذ قد علم من قوله تعالى : * ( والذين كفروا ) * الخ سببية مطلق الكفر الداخل فيه الكفر بالقرآن دخولاً أولياً لذلك * ( فَاحْبَطَ ) * لأجل ذلك * ( أَعْمَالَهُمْ ) * التي لو كانوا عملوها مع الايمان لأثيبوا عليها ، وذكر الاحباط مع ذكر الإضلال المراد هو منه إشعاراً بأنه يلزم الكفر بالقرآن ولا ينفك عنه بحال . * ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الاَْرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) * . * ( أَفَلَمْ يَسيرُوا في الأرْض ) * أي أقعدوا في أماكنهم فلم يسيروا فيها * ( فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقبَةُ الَّذينَ مِنْ قَبْلهُمْ ) * من الأمم المكذبة فإن آثار ديارهم تنبىء عن أخبارهم ، وقوله تعالى : * ( دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهم ) * استئناف بياني كأنه قيل : كيف كانت عاقبتهم ؟ فقيل : أهلك ما يختص بهم من النفس والأهل والمال يقال دمره أهلكه ودمر عليه أهلك ما يختص به فدمر عليه أبلغ من دمره ، وجاءت المبالغة من حذف المفعول وجعله نسيامنسياً والاتيان بكلمة الاستعلاء وهي لتضمن التدمير معنى الإيقاع أو الهجوم أو نحوه * ( وَللْكَافرينَ ) * أي لهؤلاء الكافرين السائرين سيرتهم * ( أَمْثَالُهَا ) * أمثال عاقبتهم أو عقوبتهم لدلالة ما سبق عليها لكن لا على أن لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافه بل مثله ، وإنما جمع باعتبار مماثلته لعواقب متعددة حسب تعدد الأمم المعذبة ، وقيل : يجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين وقد قتلوا وأسروا بأيدي من كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم ، والقتل بيد المثل أشد من الهلاك بسبب عام ، وقيل : المراد بالكافرين المتقدمون بطريق الظاهر موضع الضمير كأنه قيل : دمر الله تعالى عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها . * ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ ) * . * ( ذالكَ ) * إشارة إلى ثبوت أمثال عاقبة أو عقوبة الأمم السالفة لهؤلاء ، وقيل : إشارة إلى النصر وهو كما ترى * ( بأنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذينَ ءَامَنُوا ) * أي ناصرهم على أعدائهم ، وقرئ * ( ولي الذين آمنوا ) * * ( وَأَنَّ الكَافرينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ ) * فيدفع ما حل بهم من العقوبة والعذاب ، ولا يناقض هذا قوله تعالى : * ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) * لأن المولى هناك بمعنى المالك فلم يتوارد النفي والإثبات على معنى واحد . * ( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ والَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الاَْنْعَامُ والنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ) * . * ( إنَّ اللَّهَ يُدْخلُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَات جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتهَا الأَنْهَارُ ) * بيان لحكم ولايته تعالى لهم وثمرتها الأخروية * ( والَّذينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ) * أي ينتفعون بمتاع الدنيا أياماً قلائل * ( وَيأكُلُونَ كَمَا تَأكُلُ الأَنْعَامُ ) * الكاف في موضع نصب إما على الحال من ضمير المصدر كما