عبد الله بن حبان ( أبي الشيخ الأصبهاني )
65
طبقات المحدثين بأصبهان
ولادته ونشأته : ولد أبو الشيخ الحافظ قبل بداية الربع الأخير من القرن الثالث الهجري سنة 274 ه في أزهى عصور السنة وأسعدها ، وفيه ازدهر الحديث وعلومه ، وبلغ الذروة ، وبدأت الحركة العلمية الواسعة في تدوين الحديث وعلومه حفظا له ودفاعا منه ، حتى تميز الصحيح منه عن غيره ، وبذلك حق هذا القرن بان يسمى القرن الذهبي لخدمة السنة وتدوينها ، ففتح أبو الشيخ عينيه في الجزء الأخير من هذا القرن في بيئة علمية مليئة بالمحدثين وآثارهم ، ألا وهي مدينة أصفهان ، وليست هي وحدها ، بل كانت - مدن المشرق خاصة - معظمها من المراكز الرئيسية لرواية الحديث ، ولا سيما منطقة خراسان الواسعة التي كانت تشمل على : بست ، وهرات ، ونسا ، وبلخ ، وبخاري ، وسمرقند ، ومرو ، وجرجان ، ونيسابور ، وأضف إلى ذلك : الري ، وطوس ، وغيرها ، فكانت هذه المدن دار الآثار ، وكان لأهلها اليد الطولى في تدوين الحديث وعلومه ، بل فاقوا وسبقوا غيرهم في جميع العالم الاسلامي بلا استثناء في القرن المذكور . فلو استعرضنا المدونات في الحديث وعلومه ، لرأينا أن معظم كتب السنة وكتب الرجال يعود الفضل في تأليفها إلى علماء هذه المناطق . فصحيحا البخاري ومسلم - وهما أصح الكتب بعد كتاب الله - والسنن الأربعة ، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان ، ومعاجم الطبراني وغير ذلك من الكتب من آثار أولئك الجهابذة العلماء ، وفي هذا دليل واضح على سعة ثقافتهم العلمية التي انتشرت وعمت في تلك البلاد ، ولم يتوقف نشاطها العلمي ، بل اقتفى الخلف آثار السلف في القرن الذي يليه ، وذلك لان الجو كان معدا ومهيئا لتلقي العلوم ، وبالأخص سماع الحديث . فمنهم أبو الشيخ الذي سيتبع هذه الآثار ، وفي هذا الجو العلمي يولد أبو الشيخ ، فيولد ويستقبل عصر العلم وقرن تدوين الحديث الذهبي ، الذي يسهل له طلب العلم ، ويشوقه ويساعده فيما