غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
290
تاريخ مختصر الدول
ما تحقق به آمالنا في جزيل آلائه وعوارفه . وجلا هذه المملكة علينا . وأهدى عقيلتها إلينا . فاجتمع عندنا في قوريلتاي المبارك وهو المجمع الذي ينقدح فيه آراء جميع الاخوان والإخوة والأولاد والأمراء الكبار ومقدّمي العساكر وزعماء البلاد واتفقت كلمتهم على أن ينفذ ما سبق به حكم أخينا الكبير في إنفاذ الجمّ الغفير من عساكرنا التي ضاقت الأرض برحبها من كثرتهم وامتلأت القلوب رعبا لعظم صولتهم وشديد بطشهم إلى تلك الجهة بهمّة تخضع لها شمّ الأطواد . وعزيمة تلين لها الصمّ الصلاد . ففكرنا فيما مخضت زبدة عزائمهم عنه واجتمعت أهواؤهم وآراؤهم عليه فوجدناه مخالفا لما كان في ضميرنا من إنشاء الخير العامّ . الذي يقوم بقوّته شعار الإسلام . وان لا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلَّا ما يوجب حقن الدماء . وتسكين الدهماء . ويجري به في الأقطار رخاء نسائم الأمن والأمان . ويستريح المسلمون في سائر الأمصار في مهاد الشفقة والإحسان . تعظيما لأمر الله وشفقة على خلق الله . فألهمنا الله إطفاء تلك النائرة . وتسكين الفتن الثائرة . وإعلام من أشار بذلك الرأي ما أرشدنا الله إليه من تقديم ما يرجى به شفاء العالم من الأدواء . وتأخير ما يجب ان يكون آخر الدواء . واننا لا نحبّ المسارعة إلى هزّ النصال للنضال إلَّا بعد إيضاح المحجة . ولا نأذن لها إلَّا بعد تبيين الحقّ وتركيب الحجّة . وقوّى عزمنا على ما رأيناه من دواعي الصلاح . وتنفيذ ما ظهر لنا به وجه الإصلاح . أذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن فهو نعم العون في أمور الدين . فأصدرناه رحمة من الله لمن دعاه . ونقمة على من أعرض عنه وعصاه . وأنفذنا أقضى القضاة قطب الدين والأتابك بهاء الدين وهما من ثقات هذه الدولة القاهرة ليعرّفاهم طريقتنا . ويتحقق عندهم ما ينطوي عليه لعموم المسلمين جميل سنّتنا . وبيّنّا لهم اننا من الله على بصيرة وان الإسلام يجبّ ما قبله . وانه تعالى القى في قلبنا ان نتبع الحقّ وأهله . ويشاهدون عظيم نعم الله على الكافة بما دعانا إليه من تقديم أسباب الإحسان . ولا يحرمونها بالنظر إلى سالف الأحوال . و * ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ . 55 : 29 ) * فان تطلَّعت نفوسهم إلى دليل يستحكم به دواعي الاعتماد . وحجّة يثقون بها من بلوغ المراد . فلينظر إلى ما قد ظهر من مآثرنا مما اشتهر خبره وعمّ اثره [ 1 ] . فانّا ابتدأنا بتوفيق الله تعالى بإعلاء أعلام الدين وإظهاره في إيراد كل أمر وإصداره تقديما . وإقامة نواميس الشرع المحمديّ على قانون العدل الأحمديّ إجلالا وتعظيما . وأدخلنا السرور على قلوب الجمهور وعفونا عن كل من اخترع سيّئة واقترف . وقابلناه بالصفح
--> [ 1 ] - ويروى : خيره واثره .