غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

291

تاريخ مختصر الدول

وقلنا * ( عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ . 5 : 95 ) * وتقدمنا بإصلاح أمور أوقاف المسلمين من المساجد والمشاهد والمدارس . وعمارة بقاع البرّ والربط الدوارس . وإيصال حاصلها بموجب عوائدها القديمة إلى مستحقها بشروط واقفها . ومنعنا ان يلتمس شيء مما استحدث عليها وان لا يغيّر أحد شيئا مما قرّر [ 1 ] أولا فيها . وأمرنا بتعظيم أمر الحجّ وتجهيز وفدها وتأسيس سبيلها وتسيير قوافلها . وأطلقنا سبيل التجار والمتردّدين إلى البلاد وليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم . وحرمنا على العساكر والشحاني في الأطراف التعرّض لهم في مصادرهم ومواردهم . وقد كان صادف قراغولنا جاسوسا في زيّ الفقراء كان سبيل مثله ان يهلك فلم نر اهراق دمه صيانة لحرمة ما حرّمه الله تعالى وأنفذناه إليهم . ولا يخفى عليهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العام للمسلمين . فان عساكرنا طال ما رأوهم في زيّ الفقراء والنسّاك وأهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف فقتلوا منهم من قتلوا . وفعلوا بهم ما فعلوا . ورفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق وتردّد التجّار وغيرهم . فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور وأمثالها فلا يخفى عنهم انها أخلاق جبلَّيّة طبيعية وعن شوائب التكلَّف والتصنّع عريّة . وإذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي النفرة التي كانت موجبة للمخالفة . فإنها ان كانت بطريق الدين . والذبّ عن حوذة المسلمين . فقد ظهر بفضل الله ويمن دولتنا النور المبين . وان كان لما سبق من الأسباب . فمن يجري الآن طريق الصواب . * ( وإِنَّ لَه عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ . 38 : 40 ) * وقد رفعنا الحجاب بفصل الخطاب وعرّفناكم ما عزمنا عليه من نيّة خالصة للَّه تعالى وأتينا باستيفائها [ 2 ] . وحرّمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها . ليرضى الله والرسول . وتلوح على صفائحها آثار الإقبال والقبول . وتستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمّة . وتنجلي بنور الائتلاف واللمّة ظلمة الاختلاف والغمّة . فيسكن في سابغ ظلَّها البوادي والحواضر . وتقوى القلوب التي بلغت من الجهد إلى الحناجر . ويعفى عن سائر الهفوات والجرائر . فان وفّق الله تعالى سلطان مصر لما فيه صلاح العالم . وانتظام أمور بني آدم . فقد وجب عليه التمسّك بالعروة الوثقى . وسلوك الطريقة المثلى . بفتح أبواب الطاعة والاتحاد [ 3 ] . وبذل الإخلاص بحيث تعمر تلك الممالك والبلاد . وتسكن الفتن الثائرة . وتغمد السيوف

--> [ 1 ] - ويروى : قدّر . [ 2 ] - ويروى : استئنافا . ولعل الصواب باستئنافها . [ 3 ] - وفي نسخة : والإيجاد .