غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
153
تاريخ مختصر الدول
ولا تنفعه قراءته لها إذ كان من الضعف فيها بحيث لم تغنه قراءته في أصغر مسئلة من الهندسة فإنه لا يحسن ان يستخرجها . فقال له المأمون : ما ادفع قولك ولكني ما أعذرك ومحلَّك من الهندسة محلَّك ان يبلغ بك الكسل ان لا تقرأه كله وهو للهندسة كحروف ا ب ت ث للكلام والكتابة . وفي دار محمد بن موسى تعلَّم ثابت بن قرّة بن مروان الصابئ الحرّاني نزيل بغداد فوجب على محمد حقّه فوصله بالمعتضد وأدخله في جملة المنجمين . وبلغ ثابت هذا مع المعتضد أجلّ المراتب وأعلى المنازل حتى كان يجلس بحضرته في كل وقت ويحادثه طويلا ويضاحكه ويقبل عليه دون وزرائه وخاصّته . وله مصنّفات كثيرة في التعليمات الرياضيّة والطبّ والمنطق وله تصانيف بالسريانية فيما يتعلق بمذهب الصابئة في الرسوم والفروض والسنن وتكفين الموتى ودفنهم وفي الطهارة والنجاسة وما يصلح من الحيوان للضحايا وما لا يصلح وفي أوقات العبادات وترتيب القراءة في الصلاة . والذي تحققنا من مذهب الصابئة ان دعوتهم هي دعوة الكلدانيين القدماء بعينها وقبلتهم القطب الشماليّ ولزموا فضائل النفس الأربع . والمفترض عليهم ثلث صلوات أولها قبل طلوع الشمس بنصف ساعة أو أقلّ لتنقضي مع الطلوع ثماني ركعات في كل ركعة ثلث سجدات . والثانية انقضاؤها مع نصف النهار والزوال خمس ركعات في كل ركعة ثلث سجدات . والثالثة مثل الثانية تنقضي مع الغروب . والصيام المفروض عليهم ثلاثون يوما أولها الثامن من اجتماع آذار . وتسعة أيام أولها التاسع من اجتماع كانون الأول . وسبعة أيام أولها ثامن شباط . ويدعون الكواكب . وقرابينهم كثيرة لا يأكلون منها بل يحرقونها . ولا يأكلون الباقلي والثوم وبعضهم اللوبياء والقنّبيط والكرنب والعدس . وأقوالهم قريبة من أقوال الحكماء ومقالاتهم في التوحيد على غاية من التقانة ويزعمون ان نفس الفاسق تعذّب تسعة آلاف دور ثم تصير إلى رحمة الله تعالى . وكان في دولة المعتضد أحمد بن محمد بن مروان بن الطيب السرخسي أحد فلاسفة الإسلام وله تآليف جليلة في علوم كثيرة من علوم القدماء والعرب وكان حسن المعرفة جيّد القريحة بليغ اللسان مليح التصنيف وكان أولا معلَّما للمعتضد ثم نادمه وخصّ به وكان يفضي إليه بأسراره كلها ويستشيره في أمور مملكته وكان الغالب على احمد هذا علمه لا عقله واتفق ان أفضى إليه بسر فأذاعه فأمر المعتضد بقتله فقتل . ( المكتفي بن المعتضد ) لما توفي المعتضد كتب الوزير إلى أبي محمد عليّ بن المعتضد وهو المكتفي وعرّفه أخذ البيعة له وكان بالرقّة فأخذ له البيعة على من عنده من الأجناد وسار إلى بغداد فدخلها لثمان خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ومائتين .