غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

154

تاريخ مختصر الدول

وفيها ظهر بالشام رجل من القرامطة وجمع جموعا من الاعراب وأتى دمشق وبها طغج ابن جف [ 1 ] من قبل هارون بن خمارويه بن اخمد بن طولون وكانت بينهم وقعات . وفي سنة إحدى وتسعين ومائتين خرجت الترك في خلق كثير لا يحصون إلى ما وراء النهر وكان في عسكرهم سبعمائة قبّة تركية ولا تكون إلا للرؤساء منهم . فسار إليهم جيش المسلمين وكبسوهم مع الصبح فقتلوا منهم خلقا عظيما وانهزم الباقون . وفيها خرج الروم في عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف إلى الثغور فأغاروا وسبوا وأحرقوا . وفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين جهّز المكتفي إلى هارون بن خمارويه جيشا في البرّ والبحر فحاصروه بمصر وجرى بينهم قتال شديد ووقعات كثيرة آخرها ان بعض الرماة من أصحاب المكتفي رمى هارون بمزراق معه فقتله وانهزم المصريون وكان هو آخر أمراء آل طولون وانقرضت الدولة الطولونيّة في هذه السنة . وفي سنة ثلث وتسعين ومائتين أغارت الروم على قورس ودخلوها فأحرقوا جامعها وساقوا من بقي من أهلها لأنهم قتلوا أكثرهم . وفي سنة خمس وتسعين ومائتين في ذي القعدة توفي المكتفي باللَّه وكانت خلافته ستّ سنين وستة أشهر وكان عمره ثلثا وثلثين سنة . وفي أيام المكتفي اشتهر يوسف الساهر الطبيب ويعرف أيضا بالقسّ وكان مشهور الذكر مكبّا على الطبّ كثير الاجتهاد في تحصيل الفوائد وسمّي الساهر لأنه كان لا ينام في الليل إلَّا ربعه أو أزيد ثم يسهر في طلب العلم . وقيل انما سمّي الساهر لان سرطانا كان في مقدّم رأسه وكان يمنعه النوم . وإذا تأمل متأمل كنّاشه رأى فيه أشياء تدلّ على أنه كان به هذا المرض . ( المقتدر بن المعتضد ) لما ثقل المكتفي في مرضه استشار الوزير وهو حينئذ العباس ابن الحسن أصحابه فيمن يصلح للخلافة . فقالوا له : اتّق الله ولا تولّ من قد لقي الناس ولقوه وعاملهم وعاملوه وتحنّك [ 2 ] وحسب حساب نعم الناس وعرف وجوه دخلهم وخرجهم . فقال الوزير : صدقتم ونصحتم . فبمن تشيرون . قالوا : أصلح الموجودين جعفر بن المعتضد . قال : ويحكم هو صبيّ . قال ابن الفرات : إلا أنه ابن المعتضد ولا نأتي برجل كامل يباشر الأمور بنفسه غير محتاج إلينا [ 3 ] . فركن الوزير إلى قولهم . فلما مات المكتفي

--> [ 1 ] - جف ر خف . [ 2 ] - وتحنّك ر وتحييل . [ 3 ] - إلينا ر إلى مشاور .