غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

152

تاريخ مختصر الدول

وخلعت عظامه ثم قطعت يداه ورجلاه ثم قتل . وبعد قليل في هذه السنة في ربيع الآخر لثمان بقين منه توفي المعتضد فاجتمع القواد وجددوا البيعة لابنه المكتفي وكانت خلافة المعتضد تسع [ 1 ] سنين وتسعة أشهر وعمره سبع وأربعين سنة . وقيل كان المعتضد أسمر نحيفا شهما شجاعا وكان فيه شحّ وكان عفيفا مهيبا عند أصحابه يتقون سطوته ومع ذلك جاوز الحد في الحلم . قال الوزير عبد الله بن سليمان بن وهب : كنت عند المعتضد يوما وخادم بيده المذبة إذ ضربت [ 2 ] قلنسوة المعتضد فسقطت فكدت اختلط إعظاما للحال ولم يتغير المعتضد وقال : هذا الغلام قد نعس . ولم ينكر عليه . فقبّلت الأرض وقلت : والله يا أمير المؤمنين ما سمعت بمثل هذا ولا ظننت ان حلما يسعه . قال : وهل يجوز غير هذا انا اعلم انّ هذا الصبي البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف والإنكار لا يكون إلا على المعتمد دون الساهي الخاطئ . وفي أيام المعتضد علت منزلة بني موسى بن شاكر وهم ثلاثة محمد واحمد والحسن . وكان موسى بن شاكر يصحب المأمون ولم يكن موسى من أهل العلم بل كان في حداثته حراميّا يقطع الطريق ثم إنه تاب ومات وخلَّف هؤلاء الأولاد الثلاثة صغارا فوصى بهم المأمون إسحاق بن إبراهيم المصعبي وأثبتهم مع يحيى بن أبي منصور في بيت الحكمة وكانت حالهم رثة رقيقة . على أن أرزاق أصحاب المأمون كلهم كانت قليلة . فخرج بنو موسى ابن شاكر نهاية في علومهم وكان أكبرهم وأجلَّهم أبو جعفر محمد وكان وافر الحظ من الهندسة والنجوم ثم خدم وصار من وجوه القوّاد إلى أن غلب الأتراك على الدولة . وكان احمد دونه في العلم إلَّا صناعة الحيل فإنه فتح له فيها ما لم يفتح مثله لأحد . وكان الحسن وهو الثالث منفردا بالهندسة وله طبع عجيب فيها لا يدانيه أحد علم كل ما علم بطبعه ولم يقرأ من كتب الهندسة الا ست مقالات من كتاب اوقليذس في الأصول فقط وهي أقل من نصف الكتاب ولكن ذكره كان عجيبا وتخيله كان قويا . وحكي ان المروزي قال عنه يوما للمأمون انه لم يقرأ من كتاب اوقليذس الا ست مقالات . أراد بذلك كسره . فقال الحسن : يا أمير المؤمنين لم يكن يسألني عن شكل من أشكال المقالات التي لم اقرأها الا استخرجته بفكري وأتيته به [ 3 ] ولم يكن يضرّني أنني لم اقرأها

--> [ 1 ] - تسع . روى ابن الأثير « سبعا » س تسع سنين وتسعة أشهر . [ 2 ] - ضربت ر ضرب . [ 3 ] - وأتيته به ر وأثبتّه .