الآلوسي

16

تفسير الآلوسي

فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله عز وجل وحده وباليوم الآخر الذي تنكرونه فإن في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفاية لأولي الأبصار ، وفي التعبير عن المكذبين با لمجرمين الأعم منه بحسب المفهوم لطف بالمؤمنين في ترك الجرائم لما فيه من إرشادهم إلى أن الجرم مطلقاً مبغوض لله عز وجل . * ( وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ) * * ( وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهمْ ) * لإصرارهم على الكفر والتكذيب * ( وَلاَ تكن في ضَيْق ) * . أي في حرج صدر * ( ممَّا يَمْكُرُونَ ) * أي من مكرهم فإن الله تعالى يعصمك من الناس . وقرأ ابن كثير * ( ضيق ) * بكسر الضاد وهو مصدر أيضاً ، وجوز أن يكون مفتوح الضاد مخففاً من ضيق ، وقد قرىء كذلك أي لا تكن في أمر ضيق ، وكره أبو علي كون ذلك مخففاً مما ذكر لأنه يقتضي حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ، وليس من الصفات التي تقوم مقام الموصوف باطراد ، وفيه بحث . * ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَاذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * * ( ويقولون متى هذا الوعد ) * أي العذاب العاجل الموعود وكأنهم فهموا وعدهم بالعذاب من الأمر بالسير والنظر في عاقبة أمثالهم المكذبون ، ويعلم منه وجه للتعبير - يقولون - وعدم إجرائه على سنن ما قبله أعني وقال الذين كفروا وسؤالهم عن وقت إتيان هذا العذاب على سبيل الاستهزاء والإنكار ، ولذا قالوا : * ( إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ ) * عانين إن كنتم صادقين في إخباركم بإتيانه فبينوا لنا وقته ، والجمع باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك . * ( قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ ) * * ( قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذي تَسْتَعْجلُون ) * أصل معنى * ( ردف ) * تبع والمراد به هنا لحق ، ووصل وهو مما يتعدى بنفسه وباللام كنصح . وقيل : اللام مزيدة لتأكيد وصول الفعل إلى المفعول به كما زيدت الباء لذلك في قوله تعالى : * ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) * ( البقرة : 195 ) ، وقيل : إن اللام لتضمين * ( ردف ) * معنى دنا وهو يتعدى باللام كما يتعدى بمن وإلى كما في الأساس ولتضمينه ذلك عدى بمن في قوله : فلما ردفنا من عمير وصحبه * تولوا سراعاً والمنية تعنق وقيل : اللام داخلة على المفعول لأجله والمفعول به الذي يتعدى إليه الفعل بنفسه محذوف أي * ( ردف ) * الخلق لأجلكم ولا يخفى ضعفه ، وقيل : إن الكلام تم عند * ( ردف ) * على أن فاعله ضمير يعود على الوعد ، ثم استأنف بقوله تعالى : * ( لكم بعض الذي تستعجلون ) * ( النمل : 72 ) على أن * ( بعض ) * مبتدأ ، و * ( لكم ) * متعلق بمحذوف وقع خبراً له ، ولا يخفى ما فيه من التفكيك للكلام والخروج عن الظاهر لغير داع لفظي ولا معنوي ، والمعنى قل عسى أن يكون لحقكم ووصل إليكم بعض الذي تستعجلون حلوله وتطلبونه وقتاً فوقتاً ، والمراد بهذا البعض عذاب يوم بدر ، وقيل : عذاب القبر وليس بذاك ، ونسبة استعجال ذلك إليهم بناءاً على ما يقتضيه ما هم عليه من التكذيب والاستهزاء وإلا فلا استعجال منهم حقيقة ، والترجي المفهوم من عسى قيل : راجع إلى العباد . وقال الزمخشري : إن عسى . ولعل . وسوف في وعد الملوك ووعيدهم تدل على صدق الأمر وجده وما لا مجال للشك بعده ، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم وأنهم لا يعجلون بالانتقام لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم بأن عدوهم لا يفوتهم وأن الرمزة إلى الإغراض كافية من جهتهم ، فعلى ذلك جرى وعد الله تعالى ووعيده سبحانه انتهى .