الآلوسي

17

تفسير الآلوسي

وعليه ففي الكلام استعارة تمثيلية ولا يخفى حسن ذلك ، وإيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال : عسى أن يردفكم الخ لكونه أدل على تحقق الوعد ، وقرأ ابن هرمز * ( ردف ) * بفتح الدال وهو لغة فيه . * ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ) * * ( وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاس ) * أي لذو إفضال وإنعام كثير على كافة الناس ، ومن جملة إفضاله عز وجل وإنعامه تعالى تأخير عقوبة هؤلاء على ما يرتكبونه من المعاصي * ( وَلَاكنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ) * أي لا يشكرون جل وعلا على إفضاله سبحانه عليهم ومنهم هؤلاء ، وقيل : لا يعرفون حق فضله تعالى عليهم تعبيراً عن انتفاء معرفتهم ذلك بانتفاء ما يترتب عليها من الشكر . * ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ) * * ( وَإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكنُّ صُدُورُهُمْ ) * أي ما تخفيه من الأسرار التي من جملتها عداوتك * ( وَمَا يُعْلنُونَ ) * أي وما يظهرونه من الأقوال والأفعال التي من جملتها ما حكى عنهم فليس تأخير عقوبتهم لخفاء حالهم عليه سبحانه ، أو فيجازيهم على ذلك ، وفعل القلب إذا كان مثل الحب . والبغض . والتصديق . والتكذيب . والعزم المصمم على طاعة . أو معصية فهو مما يجازي عليه ، وفي الآية إيذان بأن لهم قبائح غير ما حكى عنهم ، وتقديم الاكتنان ليظهر المراد من استواء الخفي والظاهر في علمه جل وعلا ، أو لأن مضمرات الصدور سبب لما يظهر على الجوارح ، وإلى الرمز إلى فساد صدورهم التي هي المبدأ لسائر أفعالهم أوثر ما عليه النظم الكريم على أن يقال : وإن ربك ليعلم ما يكنون وما يعلنون . وقرأ ابن محيصن . وحميد . وابن السميقع * ( تكن ) * بفتح التاء وضم الكاف من كن الشيء ستره وأخفاه . * ( وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِى السَّمَآءِ والاَْرْضِ إِلاَّ فِى كِتَابمُّبِينٍ ) * * ( وَمَا مِنْ غَآئِبَة في السَّمَاء وَالأَرْض ) * أي من شيء خفي ثابت الخفاء فهيما ؛ على أن * ( غائبة ) * صفة غلبت في هذا المعنى فكثير عدم إجرائها على الموصوف ودلالتها على الثبوت وإن لم تنقل إلى الإسمية كمؤمن وكافر ، فتاؤها ليست للتأنيث إذ لم يلاحظ لها موصوف تجري عليه كالراوي للرجل الكثير الرواية فهي تاء مبالغة ، ويجوز أن تكون صفة منقولة إلى الاسمية سمي بها ما يغيب ويخفى ، والتاء فيها للنقل كما في الفاتحة ، والفرق بين المغلب والمنقول - على ما قال الخفاجي - إن الأول يجوز إجراؤه على موصوف مذكر بخلاف الثاني . والظاهر عموم الغائبة أي ما من غائبة كائنة ما كانت * ( إلاَّ في كتَابمُّبين ) * أي بين ، أو مبين لما فيه لمن يطالعه وينظر فيه من الملائكة عليهم السلام وهو اللوح المحفوظ ، واشتماله على ذلك إن كان متناهياً لا إشكال فيه وإن كان غير متناه ففيه إشكال ظاهر ضرورة قيام الدليل على تناهي الأبعاد واستحالة وجود ما لا يتناهى ، ولعل وجود الأشياء الغير المتناهية في علم الله تعالى في اللوح المحفوظ على نحو ما يزعمونه من وجود الحوادث في الجفر الجامع وإن لم يكن ذلك حذو القذة بالقذة . وقيل : المراد بالكتاب المبين علمه تعالى الأذلي الذي هو مبدأ لإظهار الأشياء بالإرادة والقدرة ، وقيل : حكمه سبحانه الأذلي وإطلاق الكتاب على ما ذكر من باب الاستعارة ولا يخفى ما في ذلك . وقيل : المراد به القرإن واشتماله على كل غائبة على نحو ما ذكرنا في اشتمال اللوح المحفوظ عليه ، وقد ذكر أن بعض العارفين استخرج من الفاتحة أسماء السلاطين العثمانية ومدد سلطنتهم إلى آخر من يتسلطن منهم أدام الله تعالى ملكهم إلى يوم الدين ووفقهم لما فيه صلاح المسلمين . وذكر بعضهم في هذا الوجه أنه مناسب لما بعد من وصف القرآن وفيه ما فيه ، وقال الحسن : الغائبة هو