النووي
91
روضة الطالبين
ظاهره العدالة ولم يختبر باطنه وهما وجهان ذكرهما غيره ، أصحهما الاكتفاء ، لان العدالة الباطنة يعسر معرفتها على غير القضاة ، فيعسر على العوام تكليفهم بها ، وهذا الخلاف كالخلاف في صحة النكاح بحضور المستورين . أما الاحتمالان في اشتراط عدد التواتر ، والاكتفاء بعدل ، فهما محتملان ، ولكن المنقول خلافهما ، فالذي قاله الأصحاب أنه يجوز استفتاء من استفاضت أهليته ، وقيل : لا يكفي الاستفاضة ، ولا التواتر ، بل إنما يعتمد قوله : أنا أهل للفتوى ، لأن الاستفاضة والشهرة بين العامة لا وثوق بها ، فقد يكون أصلها التلبيس ، وأما التواتر ، فلا يفيد العلم إذا لم يستند إلى معلوم محسوس ، والصحيح الأول ، لأن إقدامه عليها إخبار منه بأهليته ، لأن الصورة فيمن وثق بدينه . . ويجوز استفتاء من أخبر المشهور المذكور بأهليته قال الشيخ أبو إسحاق وغيره : نقبل في أهليته خبر عدل واحد ، وهذا محمول على من عنده معرفة يميز بها الملتبس من غيره ، ولا يعتمد في ذلك خبر آحاد العامة لكثرة ما يتطرق إليهم من التلبيس في ذلك . والله أعلم . فرع إذا وجد مفتيين فأكثر هل يلزمه أن يجتهد ، فيسأل أعلمهم ؟ وجهان ، قال ابن سريج : نعم ، واختاره ابن كج والقفال ، لأنه يسهل عليه ، وأصحهما عند الجمهور أنه يتخير ، فيسأل من شاء ، لأن الأولين كانوا يسألون علماء الصحابة رضي الله عنهم مع تفاوتهم في العلم والفضل ، ويعملون بقول من سألوه من غير إنكار ، قال الغزالي : فإن اعتقد أن أحدهم أعلم ، لم يجز أن يقلد غيره ، وإن كان لا يلزمه البحث عن الأعلم إذا لم يعتقد اختصاص أحدهم بزيادة علم . قلت : هذا الذي قاله الغزالي قد قاله غيره أيضا وهو وإن كان ظاهرا ، ففيه نظر لما ذكرنا من سؤال آحاد الصحابة رضي الله عنهم مع وجود أفاضلهم الذين فضلهم متواتر وقد يمنع هذا وعلى الجملة المختار ما ذكره الغزالي . فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين ، وأعلم الورعين ، فإن تعارضا قدم الأعلم على الأصح . والله أعلم . فرع وإذا استفتى وأجيب ، فحدثت له تلك الحادثة ثانيا ، فإن عرف استناد