النووي
88
روضة الطالبين
حكم تلك المسألة عند ذلك المجتهد فأخبر به ، وأخذ غيره به تقليدا للميت وجب أن يجوز على الصحيح . قلت : هذا الاعتراض ضعيف أو باطل ، لأنه إذا لم يكن متبحرا ربما ظن ما ليس مذهبا له مذهبه ، لقصور فهمه ، وقلة اطلاعه على مظان المسألة ، واختلاف نصوص ذلك المجتهد ، والمتأخر منها ، والراجح وغير ذلك ، لا سيما مذهب الشافعي رحمه الله الذي لا يكاد يعرف ما يفتى به منه إلا أفراد ، لكثرة انتشاره ، واختلاف ناقليه في النقل والترجيح . فإن فرض هذا في مسائل صارت كالمعلومة علما قطعيا عن ذلك المذهب ، كوجوب النية في الوضوء ، والفاتحة في الصلاة ، ووجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون ، ووجوب تبييت النية في صوم الفرض ، وصحة الاعتكاف بلا صوم ، وعدم وجوب نفقة البائن الحامل ، ووجوب القصاص في القتل بالمثقل وغير ذلك عند الشافعي رضي الله عنه ، فهذا حسن محتمل . والله أعلم . وإذا جوزنا الفتوى إخبارا عن مذهب الميت ، فإن علم من حاله أنه يفتي على مذهب إمام معين ، كفى إطلاق الجواب ، وإلا فلا بد من إضافته إلى صاحب المذهب . فرع ليس لمجتهد أن يقلد مجتهدا لا ليعمل به ، ولا ليفتي به ، ولا إذا كان قاضيا ليقضي به ، سواء خاف الفوت لضيق وقت أم لا . وقال ابن سريج : له التقليد إذا ضاق الوقت ليعمل به ، لا ليفتي ، وقياسه أن لا يجوز للقضاء وأولى . وفي الشامل والتهذيب طرد قول ابن سريج في القضاء وصورة الضيف فيه : أن يتحاكم مسافران والقافلة ترتحل ، ومن قال به ، فقياسه طرده في الفتوى . فرع هل يلزم المجتهد تجديد الاجتهاد إذا وقعت الحادثة مرة أخرى ، أو سئل عنها مرة أخرى ، أم يعتمد اجتهاده الأول ؟ وجهان كما سبق في القبلة . قلت : أصحهما لزوم التجديد ، وهذا إذا لم يكن ذاكرا لدليل الأولى ، ولم يتجدد ما قد يوجب رجوعه ، فإن كان ذاكرا ، لم يلزمه قطعا ، وإن تجدد ما يوجب الرجوع ، لزمه قطعا . والله أعلم .