النووي
58
روضة الطالبين
فرع قطعه من الكوع ، فأراد المجني عليه أن يلقط أصابعه ، فليس له ذلك ، فلو بادر وفعله ، عزر ، ولا غرم عليه ، لأنه يستحق إتلاف الجملة ، فلا يلزمه بإتلاف البعض غرم ، كما أن مستحق قتل النفس لو قطع طرف الجاني ، لا غرم عليه ، قال البغوي : وهل له أن يعود ويقطع الكف ؟ وجهان ، أصحهما : نعم ، كما أن مستحق النفس لو قطع يد الجاني له أن يعود ويحز رقبته ، ولو طلب حكومة الكف تدخل في دية الأصابع وقد استوفى الأصابع المقابلة بالدية ، ولو قطع يده من المرفق ، فأراد أن يقطع من الكوع ، أو يقطع أصبعا ، ويرضى بها قصاصا ومالا ، لم يكن له ذلك ، لأنه عدول عن محل الجناية مع القدرة عليه ، وقيل : إن رضي بذلك بلا مال ، جاز ، والصحيح الأول ، فلو خالفنا فقطع من الكوع ، عزر ولا غرم لما سبق ، ولو أراد بعد ذلك أن يقطع من المرفق ، قال الامام : لا يمكنه ، وجعله البغوي على وجهين ، ولو طلب حكومة الساعد لم نثبتها له ، كذا نقله الامام عن الأصحاب ، ونقله البغوي أيضا ، ثم قال : وعندي أنها تثبت . فرع لو كسر عظم العضد ، وأبان اليد منه ، فللمجني عليه أن يقطع من المرفق ، ويأخذ الحكومة لما بقي ، وإن عفا ، فله دية الكف ، وحكومة للساعد ، وحكومة للمقطوع من العضد ، فلو أراد أن يترك المرفق ، ويقطع من الكوع ، فهل له ذلك ؟ وجهان ، أرجحهما عند البغوي : يجوز ، لعجزه عن محل الجناية ، ومسامحته ، وأرجحهما عند الروياني وغيره لا ، لأنه عدول عما هو أقرب إلى محل الجناية ولو أراد التقاط الأصابع ، لم يمكن قطعا ، ولو أراد أخذ أصبع واحدة ، فالقياس أنه على الوجهين في قطع الكوع ، فإذا قلنا : ليس له القطع من الكوع ، فقطع ، ثم أراد القطع من المرفق ، لم يكن وليس له حكومة الساعد ، وإن قلنا : له القطع من الكوع ، فقطع ، فله حكومة الساعد على الأصح ، وتجب له حكومة المقطوع من العضد ، هكذا جزم به الأصحاب ، وحكى الغزالي فيه وجهين ، والصواب الأول ، لأن استيفاء تلك البقية متعذر شرعا ، ولم يوجد من المجني عليه فيها تقصير وعدول ، ولم أجد هذين الوجهين لغير الغزالي .