الصالحي الشامي
425
سبل الهدى والرشاد
بالأفصح ؟ ، وأجاب عنه الصدر موهوب الجزري بما حاصله أنه لوجاء القرآن على ذلك لكان على غير النمط المعتاد في كلام اعرب من الجمع بين الأفصح والفصيح ، فلا تتم الحجة في الاعجاز فجاء على نمط كلامهم المعتاد ، ليتم ظهور العجز عن معارضته ، ولا يقولوا مثلا أتيت بما لا قدرة لنا عليه أو على جنسه كما لا يصح للبصير أن يقول للأعمى : قد غلبتك بنظري ، لأنه يقول له : إنما تتم لك الغلبة ، لو كنت قادرا على النظر ، وكان نظرك أقوى من نظري ، فأما إذا فقد أصل النظر ، فكيف يصح من المعارضة والله أعلم . الرابعة : قيل : الحكمة من تنزيه القرآن عن الشعر الموزون ، مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره ، أن القرآن منبع الحق ومجمع الصدق ، وقصارى أمر الشاعر التخييل ، بتصوير الباطل في صورة الحق والافراط في الاطراء والمبالغة في الذم والإيذاء دون إظهار الحق وإثبات الصدق ، ولهذا نزه الله - سبحانه وتعالى - نبيه عنه ، ولأجل شهرة الشعر بالكذبه سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الامر إلى البطلان والكذب شعرية . وقال بعض الحكماء : لم ير متدين صادق اللهجة مغلقا في شعره ، وأما ما وجد في القرآن مما صورته صورة الموزون ، فالجواب عنه أن ذلك لا يسمى شعرا ، لان شرط الشعر القصد ، ولو كان شعرا لكان كل من اتفق في كلامه شئ موزون شاعرا ، ولكان الناس كلهم شعراء ، لأنه قل أن يخلو كلام أحد عن ذلك ، وقد ورد ذلك على الفصحاء ، فلو اعتقدوه شعرا لبادروا إلى معارضته والطعن عليه ، لأنهم كانوا أحرص شئ على ذلك ، وإنما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى في الانسجام . وقيل : البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمى شعرا ، وأقل الشعر بيتان فصاعدا . وقيل : الرجز لأنه لا يسمى شعرا أصلا ، وقيل : أقل ما يكون من الرجز شعرا أربعة أبيات ، وليس ذلك في القرآن بحال . الخامسة : قال بعضهم : التحدي إنما وقع للانس دون الجن ، لأنهم ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه وإنما ذكروا في قوله ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن ) ( النساء : 82 ) تعظيما لاعجازه ، لان للهيئة الاجتماعية من القوة ما ليس للافراد فإذا فرض اجتماع الثقلين فيه ، وظاهر بعضهم بعضا وعجزوا عن المعارضة ، كان الفريق الواحد أعجز . وقال غيره : بل وقع للجن والملائكة منويون في الآية ، لأنهم لا يقدرون أيضا على الاتيان بمثل هذا القرآن .