الصالحي الشامي

426

سبل الهدى والرشاد

وقال الكرماني في " غرائب التفسير " : إنما اقتصر في الآية على ذكر الإنس والجن ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الثقلين دون الملائكة ، قلت : وسيأتي بسط الكلام عن ذلك في الخصائص . السادسة : قال القاضي أبو بكر : فإن قيل هل تقولون : إن غير القرآن من كلام الله تعالى معجز كالتوراة والإنجيل ؟ قلنا : ليس شئ من ذلك بمعجز في النظم والتأليف ، وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الاخبار بالغيوب وإنما لم يكن معجزا ، لان الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن ، ولانا قد علمنا أنه لم يقع التحدي إليه ، كما وقع في القرآن ، ولان ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع به التفاضل الذي ينتهي إلى حد الاعجاز . وقد ذكر ابن جني في " الخاطريات " في قوله تعالى : ( يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى ) ( طه : 65 ) إن العدول عن قوله " إما أن تلقي " لغرض أحدهما : لفظي وهو المزاوجة لرؤوس الآي ، والاخر معنوي ، وهو أنه سبحانه أراد أن يخبر عن قوة نفس السحرة ، واستهانتهم على موسى فجاء عنهم باللفظ أتم وأوفى منه إسنادهم الفعل إليه ، ثم أورد سؤالا ، وهو أنا نعلم أن السحرة لم يكونوا أهل لسان ، فيذهب هذا المذهب من صنعه الكلام ، وأجاب بأن جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون الخالية إنما هو معرب عن معانيهم وليس بحقيقة ألفاظهم ، ولهذا لا يشك في أن قوله تعالى : ( قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ) ( طه : 63 ) أن هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم . السابعة : سئل الغزالي عن معنى قوله تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ( النساء / 82 ) . فأجاب : الاختلاف لفظ مشترك بين معان ، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه ، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن ، يقال : هذا كلام مختلف ، أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة ، أو هو مختلف الدعوى ، أي بعضه يدعو إلى الدين ، وبعضه يدعو إلى الدنيا ، وهو مختلف النظم ، فبعضه على وزن الشعر ، وبعضه منزحف ، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة ، وبعضه على أسلوب يخالفه ، وكلام الله منزه عن هذه الاختلافات ، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله وآخره ، وعلى درجة واحدة في غاية الفصاحة ، فليس يشتمل على الغث والسمين ، ومسوق لمعنى واحد ، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى ، وصرفهم عن الدنيا إلى الدين ، وكلام الآدميين تتطرق إليه هذه الاختلافات إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا قيس عليه ، وجد فيه اختلاف في منهاج النظم ، ثم اختلاف في درجات الفصاحة ، بل في أصل الفصاحة ،