الصالحي الشامي

418

سبل الهدى والرشاد

وما قدروا على أن يأتوا بمقدار سورة توازيه وتدانيه ، مع علمهم في مضادته ومضارعته . فصل : لما أثبت كون القرآن معجزة لنبينا صلى الله عليه وسلم وجب الاهتمام بمعرفة وجه الاعجاز ، وقد خاض الناس في ذلك كثيرا بين محسن ومسئ فزعم قوم أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات وأن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق ، وبه وقع عجزها وهو مردود ، لان مالا يمكن الوقوف عليه لا يتصور التحدي به والصواب ما قاله الجمهور أنه واقع بالدال على القديم الذي يوصف به الذات ، وأن العرب كلفت في ذلك مالا يطاق ، وهو الألفاظ ، ثم زعم النظام من " المعتزلة " أن إعجازه بالصرفة أي أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم ، وكان مقدورا لهم ، لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات ، وهذا قول فاسد ، بدليل ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن ) ( الاسراء / 88 ) الآية ، فإنه على عجزهم مع بقاء قدرتهم ، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم لمنزلة منزلة اجتماع الموتى ، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره ، مع أن الاجماع منعقد على أن الإضافة للاعجاز إلى القرآن ، فكيف يكون معجزا ، وليس فيه صفة إعجاز ، بل المعجز هو الله تعالى ، حيث سلبهم القدرة على التيان بمثله ، وأيضا فيلزم من القول بالصرفة زوال الاعجاز بزوال زمان التحدي وخلوا القرآن من الاعجاز ، وفي ذلك خرق إجماع الأمة ، فإن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم العظمى باقية ولا معجزة له باقية سوى القرآن ، قال قاضي أهل الحق أبو بكر الباقلاني : ومما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة ، وإنما منع عنها الصرف لم يكن الكلام معجزا ، وإنما يكون بالمنع معجزا فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه قال : وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم أن الكل قادرون على الاتيان بمثله ، وإنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيبه ، ولو تعلموه لوصلوا إليه به ، ولا أعجب من قول آخرين أن العجز وقع منهم ، وأما من بعدهم ففي قدرته الاتيان بمثله ، وكل هذا لا يعتد به ، ومن الأول قول القاضي أبي بكر : وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب ، ومباين لأساليب خطاباتهم ، قال : ولهذا لم يمكنهم معارضته . قال : ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التي أودعوها في الشعر ، لأنه ليس مما يخرق العادة ، بل يمكن استدراكه بالعلم والتدريب والتصنع به ، كقول الشاعر ورصف الخطب ، وصناعة الرسالة ، والحذق في البلاغة ، وله طريق تسلك ، فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه ، ولا إمام يقتدى به ، ولا يصح وقوع مثله اتفاقا ، ونحن نعتقد أن الاعجاز في بعض القرآن أظهر ، وفي بعض أدق وأغمض . وقال الإمام الرازي : وجه الاعجاز الفصاحة ، وغرابة الأسلوب ، والسلامة من جميع العيوب .