الصالحي الشامي
419
سبل الهدى والرشاد
وقال الزملكاني : وجه الاعجاز راجع إلى التأليف الخاص به ، لا مطلق التأليف ، بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة وعلت مركباته معنى بأن يوقع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى . وقال حازم في " منهاج البلغاء " : وجه الاعجاز في القرآن ، من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا يوجد له فترة ، ولا يقدر عليه أحد من البشر ، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشئ اليسير المعدود ثم تعرض الفترات الانسانية فينقطع طيب الكلام ورونقه ، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه ، بل توجد في تفاريقه وأجزاء منه . وقال ابن عطية الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه ، أنه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه ، وذلك بأنه - عز وجل - أحاط بالكلام كله علما ، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره ، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، وبهذا يبطل قول من قال : إن العرب كان في قدرتها الاتيان بمثله فصرفوا عن ذلك ، والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط ، ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولا ثم ينظر فيها فيغير فيها ، وهلم جرا ، وكتاب ا لله سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد ، ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة ، وقامت الحجة على العالم بالعرب ، إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة ، كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحرة ، وفي معجزة عيسى بالأطباء ، فإن الله - عز وجل - إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهر أبرع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره ، فكان السحر قد انتهى في مدة موسى إلى غايته ، وكذلك الطب في زمن عيسى ، والفصاحة في زمن محمد صلى الله عليه وسلم . وقال الخطابي : ذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أن وجه الاعجاز فيه من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها ، وصغوا فيه إلى حكم الذوق ، قال : والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ، ومراتبها في درجات البيان متفاوتة ، فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح الغريب السهل ، ومنها الجائز الطلق الرسل ، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود ، فالأول أعلاها ، والثاني أوسطها ، والثالث أدناها وأقربها ، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة ، وأخذت من كل نوع شعبة ، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام ،