الصالحي الشامي

410

سبل الهدى والرشاد

وتجتمع على محبته ، لأنها جبلت على حب من أحسن إليها ، ومنع أهل الجهاد من كبار المجاهدين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها ، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورا عليهم بخلاف قسمة على المؤلفة لان فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم ، فلما كان ذلك العطاء سببا لدخولهم في الاسلام ولتقوية قلب من دخل إليه قبل ، تبعهم من دونهم في الدخول ، فكان ذلك مصلحة عظيمة . الخامس : ما وقع في قصة الأنصار ، اعتذر رؤساؤهم بان ذلك من بعض أتباعهم وأحداثهم ، ولما شرح لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنعوا رجعوا مذعنين ، وعلموا أن الغنيمة : ما حصل لهم من عود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بلادهم . فسلوا عن الشاة والبعير والسبايا بما حازوه من الفوز العظيم ومجاوره النبي الكريم حيا وميتا ، وهذا دأب الحكيم يعطي كل أحد ما يناسبه . السادس : رتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما من الله - تعالى - به على الأنصار على يديه من النعم ترتيبا بالغا ، فبدا بنعمة الايمان التي لا يوازنها شئ من أمور الدنيا ، وثنى بنعمة الايمان وهي أعظم من نعمة المال ، لان الأموال قد تبذل في تحصيلها وقد لا تحصل ، فقد كانت الأنصار في غاية التنافر والتقاطع لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها ، فزال ذلك بالاسلام كما قال تعالى : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) [ الأنفال 103 ] . السابع : قوله - صلى الله عليه وسلم - " لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار " . قال الخطابي : أراد بهذا الكلام : تأليف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم ، حتى رضي أن يكون واحدا منهم لولا ما منعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها ونسبة الانسان تقع على وجوه : الولادة والاعتقادية والبلادية والصناعية ، ولا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه لأنه ممتنع قطعا ، وأما الاعتقادي فلا معنى للانتقال عنه فلم يبق إلا القسمان الأخيران ، كانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليها أمرا واجبا ، أي لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم . وقال القرطبي : معناه لتسميت باسمكم وانتسبت إليكم لما كانوا يتناسبون بالحلف ، لكن خصوصية الهجرة وترتيبها سبقت فمنعت ما سوى ذلك ، وهي أعلى وأشرف فلا تبدل بغيرها . الثامن : قوله - صلى الله عليه وسلم - " لسلكت وادي الأنصار " أو " شعب الأنصار " أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا أو ما بعده التنبيه على جزيل ما حصل للأنصار من ثواب النصرة والقناعة بالله