الصالحي الشامي

321

سبل الهدى والرشاد

يزداد الامر في نفسي إلا قوة ، فلما اختلط الناس ، اقتحم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بغلته ، وأصلت السيف ، ودنوت منه ، أريد ما أريد - وفي رواية فلما انهزم أصحابه جئته من عن يمينه فإذا العباس قائم عليه درع بيضاء ، قلت : عمه لن يخذله ، فجئته من عن يساره ، فإذا بابي سفيان بن الحارث فقلت : ابن عمه لن يخذله ، فجئته من خلفه ، فلم يبق إلا أن أسورة سورة بالسيف إذ رفع إلي فيما بيني وبينه شواظ من نار كأنه برق . فخفت أن يتمحشني فوضعت يدي على بصري ، خوفا عليه " ، ومشيت القهقرى ، وعملت أنه ممنوع . فالتفت إلى وقال : " يا شيب أدن مني " فدنوت منه ، فوضع يده على صدري وقال : " اللهم أذهب عنه الشيطان " . فرفعت إليه رأسي وهو أحب إلي من سمعي وبصري وقلبي ، ثم قال : " يا شيبة قاتل الكفار " قال : فتقدمت بين يديه أحب - والله - أن أقيه بنفسي كل شئ ، فلما انهزمت هوازن رجع إلى منزله ودخلت عليه فقال : " الحمد لله الذي أراد بك خيرا مما أردت " ( 1 ) ثم حدثني بما هممت به - صلى الله عليه وسلم . ذكر إرادة النضير بن الحارث الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما وقع في ذلك من الآيات قال محمد بن عمر : حدثنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال : كان النضير من أحلم قريش . وكان يقول : الحمد لله الذي أكرمنا بالاسلام ومن علينا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولم نمت على ما مات عليه الاباء ، فذكر حديثا طويلا ، ثم قال : خرجت مع قوم من قريش ، هم على دينهم - بعد - أبو سفيان بن حرب ، وصفوان بن أمية ، وسهيل بن عمرو ، ونحن نريد إن كانت دبرة على محمد أن نغير عليه فيمن يغير ، فلما تراءت الفئتان ونحن في حيز المشركين حملت هوازن حملة واحدة ، ظننا أن المسلمين لا يجبرونها أبدا ، ونحن معهم وأنا أريد بمحمد ما أريد . وعمدت له فإذا هو في وجوه المشركين واقف على بغلة شهباء حولها رجال بيض الوجوه ، فأقبلت عامدا إليه ، فصاحوا بي : إليك ، فأرعب فؤادي وأرعدت جوارحي . قلت : هذا مثل يوم بدر ، إن الرجل لعلي حق ، وإنه لمعصوم ، وأدخل الله تعالى في قلبي الاسلام وغيره عما كنت أهم به ، فما كان حلب ناقة حتى كر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كرة صادقة ، وتنادت الأنصار بينها : الكرة بعد الفرة : يا للخزرج ، يا للخزرج ، فحطمونا حطاما ، فرقوا شملنا ، وتشتت أمرنا ، وهمة كل رجل نفسه فتنحيت في غبرات الناس حتى هبطت بعض أودية أوطاس فكمنت في خمر شجرة لا يهتدي إلي أحد إلا أن يدله الله - تعالى - علي ، فمكثت فيه أياما وما يفارقني الرعب مما رأيت ، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف ، فأقام ما أقام ، ثم رجع إلى الجعرانة ، فقلت : لو صرت إلى الجعرانة ، فقاربت رسول

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 188 ، والمغازي للواقدي 3 / 910 .