الصالحي الشامي
178
سبل الهدى والرشاد
ومنها قصة الشجرتين ، وقصة تخفيف العذاب عن ميتين ، وقصة نبع الماء من بين أصابعه ، وقصة الدابة التي ألقاها البحر لما شكى المسلمون من الجوع . روى مسلم ، وأبو نعيم ، والبيهقي : عن جابر - رضي الله عنه - قال : سرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ذات الرقاع ، حتى نزلنا واديا أفيح ، وذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته ، واتبعته بإداوة من ماء ، فنظر فلم ير شيئا يستتر به ، وإذا شجرتان تشاطئ الوادي ، فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى إحداهما ، فاخذ بغصن من أغصانها ، وقال : " انقادي علي بإذن الله تعالى " فانقادت منه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده ، حتى أنت الشجرة الأخرى فاخذ بغصن من أغصانها وقال : " انقادي علي بإذن الله تعالى " فانقاد معه كذلك حتى إذا كان بالنصف فيما بينهما لام بينهما ، يعني جمعهما فقال : " التئما علي بإذن الله تعالى " . فالتأمتا ، قال جابر : فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدمي فيبتعد فجلست أحدث نفسي ، فحانت مني لفتة ، فإذا أنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبل ، وإذا الشجرتان قد افترقتا ، فقامت كل واحدة منهما على ساق ، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف وقفة فقال برأسه : " هكذا يمينا وشمالا " . ثم أقبل ، فلما انتهى إلي قال : " يا جابر ! هل رأيت مقامي ؟ " قلت : نعم يا رسول الله . قال : " فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا وأقبل بهما ، حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك " . قال جابر : فقمت ، فأخذت حجرا فكسرته وحسرته فانزلق لي ، ثم أتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا ، ثم أقبلت أجترهما حتى إذا قمت مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري ، ثم لحقت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : قد فعلت يا رسول الله ، فعم ذلك ؟ قال : اني مررت بقبرين يعذبان ، ، فأحببت بشفاعتي أن يرحه عنهما ما دام القضيبان رطبين فاتينا العسكر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا جابر ، ناد بالوضوء ، فناديت : ألا وضوء ألا وضوء ؟ يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة ، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الماء في أشجاب له على حمازة من جريد ، فقال : " انطلق إلى فلان بن فلان الأنصاري ، فانظر هل في أشجابه من شئ ؟ فانطلقت إليه فنظرت فلم أجد فيها قطرة ماء الا قطرة في عزلاء شجب منها ، لو انى أفرغه بشربة يابسة ؟ فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته ، قال : " اذهب فاتني به ، فاتيته به ، فاخذه بيده ، فجعل يتكلم بشئ لا أدري ما هو ، ويغمزه بيده ، ثم أعطانيه ، فقال " يا جابر ، ناد بجفنة " ، فقلت : يا جفنة الركب فاتيت بها تحمل ، فوضعت بين يديه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده هكذا ، فبسطها في الجفنة ، ففرق بين أصابعه ، ثم وضعها في قعر الجفنة ، وقال : " خذ يا جابر فصب علي ، وقل بسم الله " فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ، ففارت الجفنة ، ودارت حتى امتلأت . فقال : " يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء فاتى الناس فاستقوا