الصالحي الشامي
20
سبل الهدى والرشاد
واجتمع إليه الناس ، ثم مثل به بعيره فإذا هو على رأس الكعبة ، فصاح ثلاث صيحات فقال : انفروا يا آل غدر ، لمصارعكم في ثلاث ، ثم أرى بعيره مثل به على رأس أبي قبيس فقال : انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم أخذ صخرة عظيمة ، فنزعها من أصلها فأرسلها من رأس الجبل ، فأقبلت الصخرة تهوي لها حس شديد ، حتى إذا كانت في أسفل الجبل ارتضت فما بقيت دار من دور قومك ولا بيت إلا دخل فيه فلقة ، فقال العباس : والله إن هذه لرؤيا فاكتميها . قالت : وأنت فاكتمها ، لئن بلغت هذه قريشا ليؤذوننا ، فخرج العباس من عندها فلقي الوليد بن عتبة فتحدث بها ، وفشا الحديث بمكة ، حتى تحدثت به قريش في أنديتها . قال العباس : فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل في رهط من قريش قعود يتحدثون لرؤيا عاتكة ، فلما رآني قال لي أبو جهل : يا بني عبد المطلب : متى حدثت فيكم هذه النبية ؟ قلت : وما ذاك ؟ قال : رؤيا عاتكة . قلت : وما رأت ؟ قال : ما رضيتم يا بني عبد المطلب أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم . ولفظ ابن عقبة : أما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء ، إنا كنا وإياكم كفرسي رهان ، فاستبقنا المجد منذ حين ، فلما تحاكت الركب قلتم : منا نبي ، فما بقي إلا أن تقولوا : منا نبية ، فما أعلم في قريش أهل بيت أكذب امرأة ولا رجلا منكم - وآذاه أشد الأذى - قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث ، فسنتربص بكم هذه الثلاث ، فإن يك حقا ما تقول فسيكون ، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ كتبنا عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب . قال العباس : فوالله ما كان مني إليه كبير شئ ، إلا أني جحدت ذلك ، وأنكرت أن تكون عاتكة رأت شيئا . وعند ابن عقبة في هذا الخبر أن العباس قال لأبي جهل : هل أنت منتة ؟ فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك ، فقال من حضرها : ما كنت جهولا يا أبا الفضل ولا خرقا ، وكذلك قال ابن عائذ ، وزاد : فقال العباس : مهلا يا مصفر استه . ولقي العباس من عاتكة أذى شديدا حين أفشى حديثها لهذا الفاسق . قال العباس : فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول نساءكم وأنت تستمع ، ثم لم يكن عندك كبير شئ مما سمعت ، قلت : قد والله فعلت ، ما كان مني إليه كبير شئ ، وأيم الله لا تعرضن له ، فإن عاد لأكفيكنه قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب ، أرى أني قد فاتني من عدو الله أمر أحب أن أدركه منه ، قال : فدخلت المسجد فرأيته ، فوالله إني لامشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به ، وكان رجلا خفيفا ، حديد الوجه