الصالحي الشامي

21

سبل الهدى والرشاد

حديد اللسان حديد النظر ، قال : إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال : فقلت في نفسي : ما له لعنه الله أكل هذا فرق من أن أشاتمه : قال : وإذا هو قد سمع ما لم أسمع ، صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره ، وحول رحله ، وشق قميصه ، وهو يقول : يا معشر قريش يا آل لؤي بن غالب ، اللطيمة اللطيمة ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث ، والله ما أرى أن تدركوها ، ففزعت قريش أشد الفزع ، وأشفقوا من رؤيا عاتكة ، فشغله ذلك عني ، وشغلني عنه ما جاء من الامر . وقالت عاتكة : ألم تكن الرؤيا بحق وجاءكم * بتصديقها فل من القوم هارب فقلتم - ولم أكذب - : كذبت وإنما * يكذبنا بالصدق من هو كاذب فتجهز الناس سراعا وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي - أي الآتي في السرايا - كلا والله ليعلمن غير ذلك ، فكانوا بين رجلين ، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا ، وكان جهازهم في ثلاثة أيام ، ويقال : في يومين ، وأعان قويهم ضعيفهم وقال سهيل بن عمرو ، وزمعة بن الأسود ، وطعيمة بن عدي ، وحنظلة بن أبي سفيان يحضون الناس على الخروج . وقال سهيل : يا آل غالب أتاركون أنتم محمدا والصباة معه من شبانكم ، وأهل يثرب يأخذون عيرانكم وأموالكم ، من أراد مالا فهذا مالي ومن أراد قوة فهذه قوتي ، فمدحه أمية بن أبي الصلت بأبيات ، ومشى نوفل بن معاوية إلى أهل القوة من قريش ، فكلمهم في بذل النفقة والحملان لمن خرج ، فقال عبد الله بن أبي ربيعة : هذه خمسمائة دينار فضعها حيث رأيت ، وأخذ من حويطب بن عبد العزى مائتي دينار ، ويقال : ثلاثمائة دينار ، وقوي بها في السلاح والظهر ، وحمل طعيمة بن عدي على عشرين بعيرا ، وقواهم وخلفهم في أهلهم بمعونة ، ولم يتركوا كارها للخروج يظنون أنه في صف محمد وأصحابه ، ولا مسلما يعلمون إسلامه ، ولا أحدا من بني هاشم ، إلا من لا يتهمون ، إلا أشخصوه معهم ، وكان ممن أشخصوا العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وطالب بن أبي طالب وعقيل بن أبي طالب في آخرين . وكان لا يتخلف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعيثا ، ومشوا إلى أبي لهب فأبى أن يخرج أو يبعث أحدا . ويقال : إنه بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة - وأسلم بعد ذلك - وكان قد ليط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه ، أفلس بها ، فأستأجره ، على أن يجزى عنه بعثه ، فخرج عنه وتخلف أبو لهب ، منعه من الخروج رؤيا عاتكة فإنه كان يقول : رؤيا عاتكة كأخذ باليد ، واستقسم أمية بن خلف ، وعتبة ، وشيبة ، وزمعة بن الأسود ، وعمير بن وهب ، وحكيم بن حزام ، وغيرهم ، عند هبل بالامر والناهي من الأزلام فخرج القدح الناهي عن الخروج ، فأجمعوا المقام حتى أزعجهم أبو جهل بن هشام . ولما أجمع أمية بن خلف القعود وكان شيخا جليلا