الصالحي الشامي
19
سبل الهدى والرشاد
للخروج معه وقال : هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا ، لعل الله تعالى أن يغنمكموها ، فانتدب الناس ، فخف بعض ، وثقل بعض ، وتخلف عنه بشر كثير ، وكان من تخلف لم يلم ، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا ، ولم يحتفل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم احتفالا بليغا ، فقال : من كان ظهره حاضرا فليركب معنا . فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة ، قال : لا ، إلا من كان ظهره حاضرا ، وحمل سعد بن عبادة رضي الله عنه على عشرين جملا ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه من المدينة بعشر ليال طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام ، يتحسسان خبر العير ، فبلغا أرض الحوار - بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة وبالراء - فنزلا على كثير بن مالك الجهني رضي الله عنه فأجارهما ، وأنزلهما وكتم عليهما حتى مرت العير ، ثم خرجا ، وخرج معهما كثير خفيرا ، حتى أوردهما ذا المروة ، فقدما ليخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجداه قد خرج . ولما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبع أقطعها لكثير ، فقال : يا رسول الله ، إني كبير ولكن اقطعها لابن أخي ، فأقطعه إياها ، فابتاعها منه عبد الرحمن بن سعد بن زرارة . رواه عمر بن شبة . وأدرك أبا سفيان رجل من جذام بالزرقاء من ناحية معان ، فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان عرض لعيره في بدايته ، وأنه تركه مقيما ينتظر رجوع العير ، وقد خالف عليهم أهل الطريق ووادعهم ، فخرج أبو سفيان ومن معه خائفين للرصد . ولما دنا أبو سفيان من الحجاز جعل يتحسس الاخبار ، ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أمر الناس ، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان : أن محمدا قد استنفر لك ولعيرك ، فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري بعشرين مثقالا ، فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يجدع بعيره ، ويحول رحله ، ويشق قميصه من قبله ومن دبره إذا دخل مكة ، ويأتي قريشا ، ويستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد عرض لها في أصحابه ، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة ، وفعل ما أمره به أبو سفيان . ذكر منام عاتكة بنت عبد المطلب روى ابن إسحاق والحاكم والبيهقي من طريق عكرمة ، عن ابن عباس وموسى بن عقبة ، وابن إسحاق عن عروة ، والبيهقي ، عن ابن شهاب ، قالوا : رأت عاتكة بنت عبد المطلب فيما يرى النائم - قبل مقدم ضمضم على قريش بثلاث ليال - رؤيا . فأصبحت عاتكة فأعظمتها ، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له : يا أخي ، لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني ، ليدخلن على قومك منها شر وبلاء ! فقال : وما هي ؟ قالت : لن أحدثك حتى تعاهدني أنك لا تذكرها ، فإنهم إن سمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحب ، فعاهدها العباس ، فقالت : رأيت أن رجلا أقبل على بعير فوق الأبطح ، فصاح بأعلى صوته : انفروا يا آل غدر ، لمصارعكم في ثلاث ، وصاح ثلاث صيحات فأرى الناس اجتمعوا إليه ، ثم إن بعيره دخل به المسجد ،