الصالحي الشامي
180
سبل الهدى والرشاد
رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الآية ، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب ، وكان يومئذ أبيض . قال ابن سعد : ولم تكن الرايات يومئذ . واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر ، فتحصنوا في حصنهم فحاصرهم أشد الحصار ، فأقاموا على ذلك خمس عشرة ليلة ، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب ، فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم ، وأن لهم النساء والذرية ، فأمر بهم فكتفوا ، واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي ، بفتح السين المهملة واللام . ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي ابن سلول ، فجعلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبرأ إلى الله تعالى ورسوله من حلفهم ، وقال : يا رسول الله : أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الرجال ، فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم ، فقال : يا محمد أحسن في موالي ، وكانوا حلفاء الخزرج ، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد أحسن في موالي فأعرض عنه ، فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفه ، وكان يقال لها : ذات الفضول ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ويحك أرسلني " ، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا ، ثم قال : ويحك أرسلني ، قال : والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي : أربعمائة حاسر ، وثلاثمائة دارع ، قد منعوني من الأحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة ، إني والله امرؤ أخشى الدوائر ، فقال صلى الله عليه وسلم : " خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم " . وتركهم من القتل ، وأمر بهم أن يجلوا من المدينة ، فخرجوا بعد ثلاث ، وولى إخراجهم منها عبادة من الصامت ، وقيل : محمد بن مسلمة ، فلحقوا بأذرعات ، فما كان أقل بقاءهم بها ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاحهم ثلاث قسي : قوسا يدعى الكتوم كسرت بأحد ، وقوسا يدعى الروحاء ، وقوسا يدعى البيضاء ، وأخذ درعين : درعا يقال له : الصغدية وأخرى فضة ، وثلاثة أرماح ، وثلاثة أسياف ، سيف قلعي ، وسيف يقال له : بتار ، وآخر لم يسم . ووجد في منازلهم سلاحا كثيرا وآلة للصياغة ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفيه والخمس ، وفض أربعة أخماسه على أصحابه فكان أول خمس بعد بدر ، وكان الذي قبض أموالهم محمد بن مسلمة ، فأنزل الله تعالى في شأن عبد الله بن أبي وفي شأن عبادة بن الصامت . ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين ، فترى الذين في قلوبهم مرض ) [ المائدة 51 ، 52 ] أي عبد الله بن أبي وقوله : إني أخشى الدوائر ( يسارعون فيهم يقولون : نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) إلى قوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) [ المائدة 55 ] وذلك لتولي عبادة بن الصامت