الصالحي الشامي
336
سبل الهدى والرشاد
أسقف . وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة في بناء المسجد ، بنفسه الكريمة ، كما في الصحيح أنه طفق ينقل معهم اللبن ترغيبا لهم في العمل " ويقول : اللهم إن الأجر أجر الآخرة * فارعم الأنصار والمهاجرة ( 1 ) ويذكر أن هذا البيت لعبد الله بن رواحة ، وعن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : اللهم لا خير إلا خير الآخرة فارحمن المهاجرين والأنصار . وكان لا يقيم الشعر . وروى محمد بن الحسن المخزومي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت : " بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده فقرب اللبن وما يحتاجون إليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع رداءه ، فلما رأى ذلك المهاجرون الأولون والأنصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون : لئن قعدنا والنبي يعمل * ذاك إذا للعمل المضلل ( 2 ) وروى البيهقي عن الحسن قال : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد أعانه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره . وكان عثمان بن مظعون رجلا متنطعا وكان يحمل اللبنة فيجافي بها ثوبه ، فإذا وضعها نفض كمه ونظر إلى ثوبه ، فإن أصابه شئ من التراب نفضه ، فنظر إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأنشد يقول : لا يستوي من يعمر المساجدا * يدأب فيها قائما وقاعدا * ومن يرى عن الغبار حائدا فسمعها عمار بن ياسر ، فجعل يرتجز بها وهو لا يدري من يعني بها . فمر بعثمان فقال : يا بن سمية ، ما أعرفني بمن تعرض ، ومعه جريدة ، فقال : لتكفن أو لأعترضن بها وجهك . فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغضب ثم قال : " إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي فإذا بلغ ذلك من المرء فقد أبلغ " . ووضع يده بين عينيه . فكف الناس عن عمار ، ثم قالوا لعمار : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غضب فيك ، ونخاف أن ينزل فينا قرآن . فقال : أنا أرضيه كما غضب . فقال : يا رسول الله ما لي ولأصحابك ؟ قال : " مالك ولهم " ؟ قال : يريدون قتلي ، يحملون لبنة لبنة ويحملون علي لبنتين لبنتين . فأخذ بيده وطاف به في المسجد ، وجعل يمسح وفرته بيديه من التراب ويقول : " يا بن سمية ، ليسوا بالذين يقتلونك ، تقتلك الفئة الباغية ، تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار " ، ويقول عمار : أعوذ بالله من الفتن .
--> ( 1 ) انظر البداية والنهاية 3 / 215 . ( 2 ) انظر البداية والنهاية 3 / 216 .