الصالحي الشامي

26

سبل الهدى والرشاد

الايمان في سورتين منها أقسم لاثبات صدق رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكونه رسولا في إحداهما بأمر ، وهو قوله تعالى : ( والنجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم وما غوى ) [ النجم : 1 ، 2 ] . وفي الثانية بأمرين وهو قوله تبارك وتعالى : ( والضحى والليل إذا سجى ، ما ودعك ربك وما قلى ) [ الضحى : 1 ، 2 ، 3 ] وذلك لان القسم على إثبات رسالته قد كثر بالحروف والقرآن العظيم ، كما في قوله تعالى : ( يس والقرآن الحكيم ، إنك لمن المرسلين ) [ يس : 1 ، 2 ، 3 ] . وقد ذكرنا الحكم فيه أن من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، فأقسم به ليكون في القسم إشارة واقعة إلى البرهان . وفي باقي السور كان المقسم عليه الحشر والجزاء ، وما يتعلق به يكون إنكارهم في ذلك خارجا عن الحد ، وعدم استيفاء ذلك في سور القسم بالحروف . وأقسم تعالى بمجموع السلامة المؤنثة في خمس سور ، ولم يقسم بمجموع السلامة المذكرة في سورة أصلا . فقال ( والصافات ) [ الصافات : 1 ] ، ( والذاريات [ الذاريات : 1 ] ، ولم يقل ( والصالحين من عبادي ) ، ولا المقربين ، إلى غير ذلك ، مع أن الذكور أشرف وذلك لان المجموع بالواو والنون في الامر الغالب ، لمن يعقل . . وقد ذكرنا أن القسم بهذه الأشياء ليس لبيان التوحيد إلا في صورة ظهر الامر فيه ، وحصل الاعتراف منهم ، ولا للرسالة لحصول ذلك في سورة القسم بالحروف والقرآن ، بقي أن يكون المقصود إثبات الحشر والجزاء ، لكن إثبات ا لحشر لثواب الصالح وعقاب الطالح ، ففائدة ذلك راجعة إلى من يعقل فيزم أن يكون القسم بغيرهم . والسور التي أقسم فيها لاثبات الوحدانية أقسم في أول الأمر بالساكنات حيث قال : ( والصافات ) وفي السور الأربع الباقية أقسم بالمتحركات فقال : ( والذاريات ) ، ( والمرسلات ) [ المرسلات : 1 ] ، و ( النازعات ) [ النازعات : 1 ] ( والعاديات ) ، وذلك لان الحشر فيه جمع وتفريق ، وذلك بالحركة أليق . وفي السور الأربع أقسم بالرياح على ما بين ، وهي التي تجمع وتفرق ، فالقادر على تأليف السحاب المتفرق بالرياح الذارية والمرسلة قادر على تأليف الاجزاء المتفرقة بطريق من الطرق التي يختارها بمشيئته تبارك وتعالى ) . وقال الامام أيضا في موضع آخر : ( اعلم أنه تعالى لم يقسم على الوحدانية ولا على النبوة كثيرا ، لأنه أقسم على الوحدانية في سورة الصافات ، وأما النبوة فأقسم عليها بأمر واحد في هذه السورة ، وبأمرين في سورة ( الضحى ) ، وأكثر من القسم على الحشر وما يتعلق به . فإن قوله تعالى : ( والليل إذا يغشى ) [ الليل : 1 ] وقوله : ( والشمس وضحاها ) [ الشمس : 1 ] وقوله تعالى : ( والسماء ذات البروج ) [ البروج : 1 ] إلى غير ذلك ، كلها في الحشر وما يتعلق به ، وذلك لان دلائل الوحدانية كثيرة ، كلها عقلية كما قيل :