الصالحي الشامي
232
سبل الهدى والرشاد
عامر بن لؤي - نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع ، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا ( كما كانت ) فقال الشيخ النجدي : لا والله ، ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته قلوب الرجال بما يأتي به ؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم ، فيأخذ أمركم من أيديكم ، ثم يفعل بكم ما أراد ، دبروا فيه رأيا غير هذا . فقال أبو جهل بن هشام : والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد . قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا ، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ، ثم يعمدوا إليه بأجمعهم فيضربوه بها ضربة رجل واحد ، فيقتلوه فنستريح منه ، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم . فقال الشيخ النجدي أخزاه الله ، القول ما قال الرجل ، هذا الرأي لا أرى غيره . وذكر ابن الكلبي أن إبليس لما حمد رأي أبي جهل لعنه الله قال : الرأي رأيان : رأي ليس يعرفه * هاد ورأي كنصل السيف معروف يكون أوله عز ومكرمة * يوما وآخره جد وتشريف وتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له . فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه ، وأخبره بمكر القوم وإذن الله تعالى له بالخروج . فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب : ( نم على فراشي وتسج ببردي هذا الحضرمي الا حضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم ) ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام . فلما اجتمعوا قال أبو جهل بن هشام : إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم ، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن وإن أنتم لم تفعلوا كان فيكم ذبح ، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها . فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال : ( نعم أنا أقول ذلك وأنت أحدهم ) . وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل يذري ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات : ( يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم ) إلى قوله تعالى : ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) ( يس : 1 - 9 ) فلم يبق منهم رجل الا وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسه ترابا ، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب .