الصالحي الشامي

233

سبل الهدى والرشاد

فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال : ( ما تنتظرون ههنا ) ؟ قالوا : ( محمدا ) . قال : ( خيبكم الله ، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ) ؟ قال : ( فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ) ، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : والله إن هذا لمحمد نائما عليه بردة . فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا . فقام علي رضي الله عنه من الفراش . فقالوا : ( والله لقد صدقنا الذي كان حدثناه ) . وذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور . وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( شرى علي نفسه ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه ) . وكان المشركون يرجون رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يرمون عليا ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم ، وجعل علي يتوضأ فإذا هو علي ، فقالوا : إنك للئيم ، إنك لتتضور ( 1 ) وكان صاحبك لا يتضور وقد استنكرناه منك . وروى الحاكم عن علي بن الحسين رضي الله عنهما قال : إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله علي ، وقال في ذلك شعرا : وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله خاف أن يمكروا به * فنجاه ذو الطول الاله من المكر وبات رسول الله في الغار آمنا * موقى وفي حفظ الاله وفي ستر وبت أراعيهم وما يتهمونني * وقد وطنت نفسي على القتل والأسر قال ابن إسحاق : وكان مما أنزل الله عز وجل من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ) بالوثاق والحبس والاثخان أبا لجرح ( أو يقتلوك ) بسيوفهم ( أو يخرجوك ) - من مكة - ( ويمكرون ) - يحتالون في أمرك - ( ويمكر الله ) - يجازيهم جزاء مكرهم فسمى الجزاء مكرا لأنه في مقابلته ، والمعنى أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم والله تعالى منعه منهم وأظهره وقواه ونصره فضاع فعلهم وظهر فعل الله عز وجل - ( والله خير الماكرين ) ( الأنفال : 30 ) - لان مكره حق ، وإتيان هذا مما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقه ابتداء لما فيه من إيهام الذم ، وهذه السورة مدنية ، وهذه الواقعة كانت بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة . وقد ذكر الله تعالى النبيه محمدا صلى الله عليه وسلم نعمته عليه . قال ابن إسحاق : وأنزل الله تعالى في ذلك ( فذكر ) - أي دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنهم لقومهم لك كاهن مجنون ( فما أنت بنعمة ربك كاهن ) - جزما - ( ولا مجنون ) معطوف عليه - ( أم ) - بل - ( يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ) - أي حوادث

--> ( 1 ) قال ابن الأثير : أي تتلوى وتضيع وتتقلب ظهرا لبطن . انظر النهاية 3 / 105 .