الصالحي الشامي

21

سبل الهدى والرشاد

السميع ) ، لكلامنا ، ( البصير ) لذاتنا . وأما توسط ضمير الفعل فللاشعار باختصاصه بهذه الكرامة وحده ، ولعل السر في مجئ الضمير محتملا للامرين الإشارة إلى المطلوب وأنه صلى الله عليه وسلم إنما رأى رب العزة وسمع كلامه به ) . الماوردي : ( في الحكمة بالاتيان بالسميع والبصير هنا وجهان : أحدهما : أنه تعالى وصف نفسه بهما ، وإن كانا من صفاته اللازمة لذاته في الأحوال كلها ، لأنه حفظ لرسوله عند الاسراء به في ظلمة الليل ، فلم يضره ألا يبصر فيها ، وسمع كلامه دعاءه فأجابه إلى ما سأل . الثاني : أن قومه لما كذبوه حين أخبرهم بإسرائه ، فقال : السميع ، يعني لما يقولونه من تصديق أو تكذيب . البصير ، فيما يفعله من الاسراء والمعراج . الزمخشري : ( إنه هو السميع ) لأقوال محمد ، ( البصير ) بأفعاله ، العلام بتهذبها وخلوصها فيكرمه ويقربه على حسب ذلك . ولم يتعقب ذلك الطيبي ولا السكوني - بالفتح والضم - في التمييز مع مبالغته في التنكيب ( 1 ) والاعتراض عليه . وقال صاحب الكفيل : ( ذكر صفتي السمع والبصر تنبيها على أنه علم حيث يجعل رسالاته وكراماته ، والبصير بآياته ، وكما أنه أعلم فهو أسمع وأبصر . والمراد أنه السميع لمن صدق بالاسراء البصير بمن كذب به ) ، ثم ذكر كلام الزمخشري السابق ، ثم قال : ( وفي كلامه هذا إيماء إلى القول بإيجاب الجزاء وتلويح إلى اعتقاده أن فضائل النبوة مكتسبة ، فاحذر هذه العقيدة . انتهى . الغزالي رحمه الله : ( المقصد الأسنى : ( السميع هو الذي لا يعزب عن إدراكه مسموع وإن خفي ، فيسمع السر والنجوى ، بل ما هو أدق وأخفى ، ويدرك دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، يسمع بغير أصمخة وآذان ، وسمعه منزه عن أن يتطرق إليه الحدثان ، ومهما نزهت السمع عن تغير المسموعات وقدسته عن أن يسمع بأذن وآلة علمت أن السمع في حقه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات . ومن لم يدقق نظره فيه وقع بالضرورة في بحر التشبيه فخذ حذرك ودقق فيه نظرك ) . وقال أيضا : ( البصير هو الذي يشاهد ويرى ولا يعزب عنه ما تحت الثرى ، وابصاره منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان ، مقدس عن أن يرجع عن انطباع الصور والألوان في ذاته تعالى ، كما تنطبع في حدقة ا لانسان ، وإن ذلك من التغير والتأثير والمقتضى للحدثان . وإذا نزه عن ذلك كان البصر في حقه عبارة عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المصنوعات ، والله تعالى أعلم بالصواب ) .

--> ( 1 ) التنكيب : التنحية . انظر المعجم الوسيط 2 / 958 .