الصالحي الشامي

116

سبل الهدى والرشاد

ذلك بالعلم مطلقا ، ويجعل الله تعالى ذلك اللبن سببا في ترادف العلم وأشجان القلب النبوي بأنوارها . وقال القرطبي : يحتمل أن يكون تسمية اللبن فطرة لكونه أول شئ يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه ، والسر في ميل النبي صلى الله عليه وسلم إليه دون غيره لكونه مألوفا له ، ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة ، وافهم قول جبريل ( أصبت ) ، فإن اختيار الخمر خطأ عصم منه النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت المسألة حينئذ اجتهادية لان الخمر لم تكن حرمت بعد ، فقد وقع تخييره في ملك الله الأعظم . التنبيه الخامس والعشرون : ظاهر قوله : ( ثم أتي بالمعراج ) أن العروج كان لا على البراق وفي ذلك خلاف ، فظاهر حديث مالك بن صعصعة أنه استمر على البراق حتى عرج به إلى السماء ، وهو مقتضى كلام ابن أبي جمرة وابن دحية . قال الحافظ : ( لكن في غير هذه الرواية من الاخبار أن العروج لم يكن على البراق بل رقي في المعراج وهو السلم ، ويؤيده قوله في حديث ثابت عن أنس كما في صحيح مسلم : ( ثم أتيت بالمعراج ) . وقال الحافظ ابن كثير : ( إنه لما فرغ صلى الله عليه وسلم من أمر بيت المقدس نصب له المعراج وهو السلم ، فصعد فيه إلى السماء ، ولم يكن الصعود على البراق كما قد توهمه بعض الناس ، بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة ) . وقال الشيخ رحمه الله تعالى : ( إنه الصحيح الذي تقرر من الأحاديث الصحيحة ) . التنبيه السادس والعشرون : ( نوع ابن دحية المعراج إلى عشرة أنواع على عدد سني الهجرة ، منها سبعة معاريج إلى السماوات السبع ، والمعراج الثامن إلى سدرة المنتهى والمعراج التاسع الذي سمع فيه صريف الأقلام في تصريف الاقدار ، والمعراج العاشر إلى العرش والرفرف والرؤية وسيأتي ما أبداه من الحكم في ذلك . التنبيه السابع والعشرون : ورد أن بين الدرجة والدرجة في الجنة خمسمائة عام وأن الدرجة تهبط كالإبل ليصعد عليها ولي الله تعالى ثم ترفع به إلى مكانها والظاهر أن درج المعراج كذلك . التنبيه الثامن والعشرون : لا يتوهم بما تسمعه في قصة المعراج من الصعود والهبوط أن بين العبد وربه مسافة ، فإن ذلك كفر ، نعوذ بالله من ذلك ، وإنما هذا الصعود والهبوط بالنسبة إلى العبد لا إلى الرب ، والنبي صلى الله عليه وسلم مع انتهائه ليلتئذ إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى ، لم يجاوز مقام العبودية ، وكان هو ونبي الله يونس بن متى صلى الله عليه وسلم إذا التقمه الحوت وذهب به إلى البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر ، في مباينة الله تعالى خلقه وعدم الجهة والتحيز والحد والإحاطة سواء . وقد ذهب به مسيرة سنة آلاف سنة ذكره الإمام البغوي وغيره . وإذا علمت ذلك فالمارد بترقيه صلى الله عليه وسلم وقطع هذه المسافات إظهار مكانته عند أهل