الصالحي الشامي

117

سبل الهدى والرشاد

السماوات وأنه أفضل المخلوقات . ويقوي هذا المراد بكونه أركبه البراق ونصب له المعراج وجعله إماما للنبيين والملائكة ، مع أنه تعالى قادر على أن يرفعه بدون البراق والمعراج . ويقال لأصحاب الجهة : إنما منعكم من اعتقاد الحق استبعادكم موجودا إلا في جهة ، فاحلتم ذلك . فأخبرونا عن العرش والفوق هل ذلك قديم ؟ أو محدث ؟ فإن قالوا قديما جاهروا بقدم العالم وأدى ذلك إلى محالين : أحدهما أن يكون مع الباري تعالى في الأزل غيره ، والقديمان ليس أحدهما بأن يكون مكانا للثاني بأولى من الاخر . ثانيهما أن الجهة والمكان إما أن يكونا جسمين ، وهذا يؤدي إلى جواز وجود الأجساد كلها ، وهو قول من قال بقدم العالم ، نعوذ بالله من ذلك . وإن قالوا : محدث ، قل فقد صدقتم بأن الرب تعالى كان موجودا أولا ولا جهة ، والمستحيل ( لا ) ينقلب جائزا أو واجبا لان الحادث لا يحتاج إليه القديم ، فإنه قبل كونه كان مستغنيا عنه ، وهو على استغنائه عنه لم يزل وكذلك لا يزال ، ومحال أن يكون خالق الكل مفتقرا إلى بعض مخلوقاته . وما ورد من الاستواء والنزول وغير ذلك من الصفات التي يشكل إجراؤها على ظاهرها ، نؤمن به ونكل علم معناه إلى الله تعالى ، ولا نشبهه تعالى بخلقه ولا ننفي الصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) . التنبيه التاسع والعشرون : نقل ابن دحية عن ابن حبيب ، والحافظ عن ابن النمير عن ابن حبيب وأقره : أن بين السماء والأرض بحرا يسمى المكفوف تكون بحار الدنيا بالنسبة إليه كالقطرة من المحيط ، فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا صلى الله عليه وسلم فهو أعظم من انفلاق البحر لموسى عليه الصلاة والسلام . التنبيه الثلاثون : في قدر ما بين السماء والأرض : روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ، وابن خزيمة في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أتدرون كم بين السماء والأرض ) ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : ( بينهما مسيرة خمسمائة سنة ، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء خمسمائة سنة ، وفوق السماء السابعة بحر من أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أو عال ( 2 ) بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن العرش وبين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض ثم الله تعالى فوق ذلك . وروى إسحق بن راهويه والبزار بسند صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما بين السماء والأرض خمسمائة عام وغلظ كل سماء خمسمائة عام

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ثمانية أو عال : أي ملائكة على صورة الأوعال . انظر النهاية لابن الأثير 5 / 207 .