الصالحي الشامي

115

سبل الهدى والرشاد

الخمر من خمر الجنة أو من جنس خمر الدنيا ؟ فإن كان الأول فسبب تجنبها صورتها ومضاهاتها للخمر المحرمة ، ويكون ذلك أبلغ في الورع . وإن كان الثاني فاجتنابها واضح . وعلى التقدير الأول يستفاد منه فائدة : وهو أول من وضع من الماء ونحوه من الأشربة ما يضاهي الخمر في الصورة وهيأة بالهيئة التي يتعاطاها ( بها ) أهل الشهوات من الاجتماعات والآلات فقد أتى منكرا وإن كان لا يحد . وذكر أصحابنا أن إدارة كأس الماء على شاربه تشبها بشارب الخمر حرام ، ويعزر فاعله . التنبيه الثالث والعشرون : قال ابن دحية : اعلم أن التخيير قد يكون بين واجبين كخصال الكفارة وقد يكون بين مباحين وأما التخيير بين واجب وممنوع أو مباح وممنوع فمستحيل ، فانظر في إحضار اللبن والخمر ، هل أريد به الإباحة لهما والإذن فيهما ؟ كما لو أحضرت طعامين لضيف وأبحتهما له ، فما معنى اختياره لأحدهما ؟ وما معنى قول جبريل : " اخترت الفطرة " أو " أصبت ، أصاب الله بك ؟ " وإن كان المراد الإذن في أحدهما لا بعينه " ، بحيث يكون الآخر ممنوعا لزم التخيير بين ممنوع ومباح * وذلك لا يتصور ، والذي يرفع الإشكال إن شاء الله تعالى أن يكون المراد تفويض الأمر في تحريم ما يحرم منها وتحليل ما يحل إلى اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم وسداد نظره المعصوم . فلما نظر فيها أداة اجتهاده إلى تحريم الخمر وتحليل اللبن ، فوافق الصواب في علم الله تعالى ، فقال له جبريل : " أصبت " ، وعلى تقدير ألا تكون الخمر محرمة لأنها حرمت بالمدينة فيكون توقيها ورعا وتعريضا بأنها ستحرم . التنبيه الرابع والعشرون : قال أبو الخطاب الكلبي : " الفطرة تطلق على الإسلام وتطلق على أصل الخلقة ، فمن الأول قوله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة " ( 1 ) . ومن الثاني قوله تعالى : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ( الروم : 30 ) ، وقال تعالى : ( فاطر السماوات والأرض ) ( فاطر : 1 ) ، أي مبدئ خلقهما ، وقول جبريل : " اخترت الفطرة " أي اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة وبه ينبت اللحم ، أو اخترته لأنه الحلال الدائم في دين الإسلام ، وأما الخمر فحرام فيما يستقر عليه الأمر ، وقد تكون الإشارة بتقديم اللبن إلى أن شعار العلم في التعبير ، كما ورد أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( رأيت كأني أتيت بقدح من لبن فشربت حتى أرى الري يخرج من أظفاري ثم ناولت فضلى عمر بن الخطاب ) ، قالوا : يا رسول الله ما أولته ؟ قال : ( العلم ) ( 1 ) . والاسراء وإن كان يقظة إلا ربما وقعت في اليقظة إشارة إلى حكم الفأل يعبر كما يعبر في المنام . ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن ، فكأنه لما ملئ قلبه إيمانا وحكمة أردف

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 12 / 410 ( 7006 ) .