الصالحي الشامي
393
سبل الهدى والرشاد
عن عبد الرحمن بن أبي ليلي واللفظ لأبي الفرج قال : وكان الله سبحانه وتعالى قد ألقى العداوة بين عمرو وعمارة في مسيرهما قبل أن يقدما على النجاشي ، وذلك أن عمرا كان رجلا دميما ومعه امرأته ، وكان عمارة رجلا جميلا ، فهوي امرأة عمرو وهويته ، فعزما على دفع عمرو في البحر فدفع عمارة عمرا في البحر فسبح عمرو ونادى أصحاب السفينة فأخذوه فرفعوه إلى السفينة - فأضمرها عمرو في نفسه ولم يبدها لعمارة ، بل قال لامرأته : قبلي ابن عمك عمارة لتطيب بذلك نفسه . فلما أتيا أرض الحبشة وردهما الله تعالى خائبين مكر عمرو بعمارة فقال له : أنت امرؤ جميل وهن النساء يحببن الجمال ، فتعرض لامرأة النجاشي فلعلها أن تشفع لنا عند الملك في قضاء حاجتنا . ففعل عمارة وتكرر تردده إلى امرأة النجاشي وأخذ عطرا من عطرها ، فلما رأى عمرو ذلك أتى الملك فذكر له أمر عمارة ، فأدركت الملك عزة الملك وقال : لولا أنه جاري لقتلته ، ولكن سأفعل له ما هو شر من القتل . فدعا بالسواحر فأمرهن أن يسحرنه فنفخن في إحليله نفخة طار منها هائما على وجهه حتى لحق بالوحوش بالجبال ، فكان إذا رأى آدميا ينفر منه ، وكان ذلك آخر العهد به إلى زمن عمر بن الخطاب ، فجاء ابن عمه عبد الله بن أبي ربيعة إلى عمر بن الخطاب واستأذنه في المسير إليه لعله يجده ، فأذن له عمر ، فسار عبد الله إلى أرض الحبشة فأكثر النشدة عنه والفحص عن أمره حتى أخبر أنه في جبل كذا يرد مع الوحوش إذا وردت ويصدر معها إذا صدرت ، فسار إليه فكمن له في طريقه إلى الماء فإذا هو قد غطاه شعره وطالت أظافره وتمزقت عنه ثيابه حتى كأنه شيطان ، فقبض عليه عبد الله وجعل يذكره بالرحم ويستعطفه وهو ينتفض منه وهو يقول أرسلني يا بجير أرسلني يا بجير وأبي عبد الله أن يرسله حتى مات بين يديه . قال الزهري : فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير فقال : أتدري ما قوله : ( ما أخذ الله الرشوة مني فآخذ الرشوة فيه ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه ؟ ) فقلت : لا . قال عروة : فإن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلا ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي ، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا : لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإن له اثني عشر رجلا من صلبه فتوارثوا الملك لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف ، فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه . فمكثوا على ذلك حينا ونشأ النجاشي مع عمه فلا يدبر أمر عمه غيره ، وكان النجاشي حازما لبيبا من الرجال ، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا : قد غلب هذا الغلام على أمر عمه فما نأمن من أن يملكه علينا ، وقد عرف أنا قتلنا أباه ، فلئن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله ، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجه من بلادنا . فمشوا إلى عمه فقالوا : قد رأينا مكان هذا الغلام منك ، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه ، وإنا لا نأمن من أن يملك علينا فيقتلنا ، فإما أن تقتله وإما أن تخرجه من بلادنا . قال : ويحكم