الصالحي الشامي
394
سبل الهدى والرشاد
قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم ؟ ! بل أخرجه من بلادكم . فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار بستمائة درهم أو بسبعمائة درهم ، فرفعه في سفينة فانطلق به ، فلما كان العشاء هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقون ليس في أحد منهم خير ، فمرج أمر الحبشة . فقال بعضهم لبعض : تعلمون والله ملككم الذي يصلح أمركم الذي بعتم بالغداة ، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب . فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه فعقدوا عليه التاج وأجلسوه على سريره وملكوه ، فقال التاجر : ردوا علي ما لي كما أخذتم غلامي فقالوا : لا نعطيك . فقال التاجر : والله لأكلمنه فمشى إليه فكلمه فقال : أيها الملك إني ابتعت غلاما فقبض ثمنه الذين باعونيه ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي ، فكان أول ما خبر من صلابة حكمه أن قال : لتردن عليه ماله أو ليجعلن يد غلامه في يده فيذهب به حيث شاء . فقالوا : بل نعطيه ماله فأعطوه ماله . فلذلك يقول : ( ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة فيه حين رد علي ملكي وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه ) . فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي في أحسن جوار وتعجل عبد الله بن مسعود فرجع إلى مكة ، فلما سمع المسلمون بمهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ومن النساء ثماني نسوة ، فمات منهم رجلان بمكة وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا . كما سيأتي بيان ذلك هناك . والله تعالى أعلم . كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي روى البيهقي عن ابن إسحاق قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتابا فيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم . سلام عليك فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة ، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه ، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته ، وأن تتبعني وتؤمن بي وبالذي جاءني فإني رسول الله ، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفر بن أبي طالب ومعه نفر من المسلمين فإذا جاؤوك فأقرهم ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله وقد بلغت نصحت فاقبلوا نصيحتي . والسلام على من اتبع الهدى ) . فكتب إليه النجاشي : إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم ابن الأبجر . سلام