الصالحي الشامي

392

سبل الهدى والرشاد

وفي رواية أن النجاشي قال للمسلمين : أيؤذيكم أحد ؟ قالوا : نعم . فأمر مناديا ينادي : من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم . ثم قال : أيكفيكم ؟ قلنا : لا . قال : فأضعفوها . وعند موسى بن عقبة : من نظر إلى هؤلاء نظرة تؤذيهم فقد غرم . أي فقد عصاني . ثم قال : ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه . فخرجا من عنده مقبوحين مردود عليهما ما جاءا به . ثم إن الحبشة اجتمعت فقالت للنجاشي : إنك فارقت ديننا - وخرجوا عليه فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال : اركبوا فيها وكونوا كما أنتم فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا حيث شئتم ، وإن ظفرت فاثبتوا . ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه : هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبده ورسوله وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة وصفوا له صفين فقال : يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم ؟ قالوا : بلى . قال : فكيف رأيتم سيرتي فيكم ؟ قالوا : خير سيرة ؟ قال فما لكم ؟ قالوا : فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد ، هو ابن الله . فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه : هو يشهد أن عيسى ابن مريم لم يزد على هذا . وإنما يعني ما كتب . فرضوا عنه وانصرفوا . قالت أم سلمة : فأقمنا عنده بخير دار مع خير جار ، فوالله إنا على ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه ، فوالله ما حزنا قط حزنا كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي ، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه . وسار إليه وبينهما عرض النيل ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : من رجل ينطلق حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟ فقال الزبير بن العوام : أنا . قالوا : فأنت . وكان من أحدث القوم سنا . فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليهم حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها يلتقي القوم ، ثم انطلق حتى حضرهم . وقالت : ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده . قالت : فوالله إنا على ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير بن العوام يسعى فلمع بثوبه وهو يقول : أبشروا فقد ظهر النجاشي وأهلك الله عدوه . قالت : فوالله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها . ورجع النجاشي وقد أهلك الله عدوه ومكن له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة ، وكنا عنده في خير منزل . وروى الطبراني برجال الصحيح عن أبي موسى الأشعري ، والطبراني وأبو الفرج الأموي