الصالحي الشامي
243
سبل الهدى والرشاد
بإيصاله إلى الخلق أن يتقدمه ترشيح وتأسيس ، وكان ما يراه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الرؤيا الصادقة ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك ، فلما جاءه بغتة أمر خالف العادة والمألوف فنفر طبعه البشري منه وهاله ذلك ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال ، لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها ، فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه وينفر طبعه منه ، حتى إذا اندرج عليه وألفه استمر عليه ، فلذلك رجع إلى أهله التي ألف أنسها فأعلمها بما وقع له ، فهونت عليه خشيته مما عرفته من أخلاقه الكريمة وطريقته الحسنة ، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة لمعرفتها بصدقه ومعرفته وقراءته الكتب القديمة فلما سمع كلامه أيقن بالحق واعترف به ، وأشار إلى أن الحكمة في ذلك صلى الله عليه وآله وسلم ما اتفق له في هذه القصة : أن يكون سببا في انتشار خبره في بطانته ومن يستمع لقوله ويصغي إليه طريقا في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله لينبهوا ( 1 ) على محله . العشرون : ورقة هو ابن نوفل بن أسد بن عبد العزي بن قصي القرشي الأسدي ابن عم خديجة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ذكره الطبري والبغوي وابن نافع وابن السكن وغيرهم في الصحابة . وروى يونس بن بكير عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أحد كبار التابعين أن ورقة قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به عيسى ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى ، وأنك نبي مرسل . فذكر الحديث وفيه : فلما توفي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب بيض لأنه آمن بي وصدقني ) ( 2 ) في سنده انقطاع . ويعضده ما رواه الزبير بن بكار بسند جيد عن عروة بن الزبير قال : كان بلال لجارية من بني جمح ، وكانوا يعذبونه برمضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك فيقول : أحد أحد . فمر به ورقة وهو على تلك الحال فيقول : أحد يا بلال ، والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا . فهذا المرسل يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام حتى أسلم بلال . قال الحافظ : والجمع بين هذا وبين حديث عائشة : أن يحمل قولها : لم ينشب ورقة أن توفى . أي قبل أن يشتهر الإسلام ويؤمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجهاد . ولا يعكر على ذلك ما رواه ابن عائذ عن ابن عباس أو ورقة مات على نصرانيته لأن في
--> ( 1 ) في ألينتبهوا . ( 2 ) أخرجه البيهقي في الدلائل 2 / 158 - 221 وذكره ابن كثير في البداية والنهاية 3 / 10 .