الصالحي الشامي
352
سبل الهدى والرشاد
وروى الشيخان عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، مسجدي هذا والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ) . وروى البزار وابن حبان عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا ، والبيت العتيق مسجد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ) . تنبيهات الأول : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ) . اختلف في تأويل هذا الحديث فقيل : إن الصلاة في مسجده - صلى الله عليه وسلم - أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون ألف صلاة . ونقل أبو عمر عن جماعة من أهل الأمر : أن معناه أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة ثم أيده بما أخرجه من حديث ابن عمر مرفوعا ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام فإنه أفضل فيه بمائة صلاة ) . الثاني : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ) . قيل : هو نفي بمعني النهي . وقيل : لمجرد الإخبار لا نهي ولا دلالة فيه على التحريم ، إذا النفي لا يقتضي النهي مطلقا ، وعلى تقدير أنه يقتضي النهي فإنما يقتضي النهي فيما وقع عليه النفي ، والنفي هاهنا ليس لنفي الحقيقة ، وإنما هو لنفي مقصود من مقاصدها ، ولا يتعين أن يكون الجواز المطلق ، جاز أن يكون لا تشد الرحال وجوبا أو ندبا أو طاعة مسنونة بخصوصيتها لا بنوعها ولا بحسنها وتعين أحد المحتملات يحتاج إلى دليل ، وبتقدير أن يكون بمعنى النهي ، فلا نسلم أن النهي في مثل ذلك يقتضي التحريم ، والأمر يقتضي الوجوب وإطلاق أئمة الأصول أن النهي يقتضي التحريم والأمر يقتضي الوجوب محمول على الأمر بصيغة ( افعل ) والنهي بصيغة ( لا تفعل ) إذ هو الذي يصح فيه دعوى الحقيقة . وأما ما كان موضوعا حقيقة بغير الأمر والنهي ، ويفيد معنى أحدهما كالخبر بمعنى الأمر ، والنفي بمعنى النهي فلا يدعي فيه أنه حقيقة في وجوب ولا تحريم ، لأنه مستعمل في غير موضوعه إذا أريد الأمر والنهي ، ودعوى كونه حقيقة في إيجاب أو تحريم وهو موضوع لغيرهما مكابرة وهذا موضع يغلط فيه كثير من الفقهاء ويعبرون بلفظ أئمة الأصول ويدخلون فيه كلما