الصالحي الشامي

493

سبل الهدى والرشاد

الثاني : أنهم رسل الله تعالى بقوله تعالى ( جاعل الملائكة رسلا ) [ فاطر 1 ] والرسول معصوم لقوله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) وهو بناء على أن الكل رسل ، وقد تقدم الكلام فيه ، وعلى أن قوله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) من أدلة العصمة غير الأنبياء ولمانع أن يمنع ذلك . قال القاضي - رحمه الله تعالى - : وذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين . واحتجوا بأشياء ذكرها أهل الأخبار والتفاسير نحن نذكرها إن شاء الله تعالى بعد ، ونبين الوجه فيها إن شاء الله تعالى ، والصواب عصمة جميعهم وتنزيه جانبهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم ، واحتج من لم يوجب عصمة الملائكة جميعهم بأمور . أحدهما : قصة هاروت وماروت ، وهي قصة مشهورة ، وخلاصتها أن هاروت وماروت كانا ملكين ، وعجبا من عصيان بني آدم ، وقالا : لو ركبت فينا شهوة بني آدم لما عصينا ، فأنزلهما الله تعالى إلى الأرض ، وركب فيهما الشهوة وقيض الله لهما الزهرة - وكانت من أجمل نساء وقتها - وأعجبتهما ، وحملتهما على السجود للصنم وقتل النفس وشرب الخمر ، وتعلمت منهما الاسم الأعظم وصعدت به إلى السماء ، فمسخت إما كوكبا ، وإما سحابا ، وإنهما استشفعا بإدريس ، فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا ، فلبسا الحديد ومكثا في بيوتهما ببابل ، بينهما وبين الماء أربعة أصابع ، ويوجد في هذه القصة زيادة ونقصان واختلاف كثير . قال الشيخ كمال الدين : وأئمة النقل لم يصححوا هذه القصة ، ولا أثبتوا روايتها عن علي وابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال القاضي رحمه الله تعالى : إن هذه الأخبار لم يرو منها شئ لا صحيح ولا سقيم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم . فإن قيل : ففي كتاب الله تعالى ( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) [ البقرة : 102 ] . قلت : للناس في ذلك أقوال كثيرة ، والمحققون ذهبوا في معناها إلى غير ما ذكر أولا في قصة هاروت وماروت ، وقالوا في الآية قراءتان في ( ملكين ) إحداهما بكسر اللام وهي شاذة ، والمشهورة بفتح اللام ، ولكن ذكروا في تأويل ذلك أن الله تعالى كان قد امتحن الناس بالملكين ، فإن السحر كان قد ظهر ، وظهر قول أهله ، فأنزل الله تعالى ملكين يعلمان الناس