الصالحي الشامي

494

سبل الهدى والرشاد

حقيقة السحر ، ويوضحان أمره ليعلم الناس ذلك ، ويميزوا بينه وبين المعجزة والكرامة ، فمن جاء يطلب ذلك منهما ابتدراه وعلماه ، إنا إنما أنزلنا فتنة لتعليم السحر ، فمن تعلمه ليجتنبه ويعلم الفرق بينه وبين المعجزات والكرامات وما يظهره الله تعالى على أيدي عباده المؤمنين فذلك هو المرضي ، ومن تعلمه لغير ذلك أدى به إلى الكفر ، فلهذا كان الملكان يقدمان للملكين هذه المقالة ، ثم يقولان له : إن فعل الساحر كذا فرق بين المرء وزوجه ، فلا تتحيل بهذه الحيلة ولا تقل هذا القول ، فإنه من قول السحرة ويودى إلى الكفر ، ثم على هذا يكون فعل الملكين طاعة لأمر الله تعالى ، ومن الناس من ذكر وجها آخر ، وهو أن الله تعالى لما بين أن الكفار واليهود ادعوا على سليمان أنه ساحر ، وقالوا : إن الجن دفنت جمع كتب السحر تحت مصلاه ، ثم أظهرتها بعد موته ليقول الناس كان ساحرا ، وأن سليمان قد جمع كتب السحر ودفنها لتضيع على الناس ، وأخرجها الجن واليهود بعد موته وصارت في أيديهم وفشا السحر فيما بينهم ، ولهذا كثر ما يؤخذ من السحر عند اليهود ، وكان اليهود يعزون ذلك إلى سليمان ، فقال تعالى ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) ثم إن اليهود ادعت بعد ذلك أن السحر الذي في أيديهم من ميراث سليمان ، وأن جبريل وميكائيل نزلا به ، فأكذبهم الله تعالى في الامرين ، فقال ( وما أنزل على الملكين ) فتكون ما نافية على هذا القول عطفا على قوله تعالى ( وما كفر سليمان ) ويكون قوله ( ببابل ) متعلق بقوله ( يعلمون الناس السحر ) وعلى هذا فقيل : هاروت وماروت رجلا تعلما السحر . وروى الحسن أنه قال : هاروت وماروت علجان من أهل بابل ، وما أنزل على الملكين بكسر اللام ، لكن ما على هذه القراءة اسمية ، ويكون الانزال من الشياطين ، ويجوز أن تكون نافية وقرأ كذلك عبد الرحمن بن أبزى وفسر الملكين بداود وسليمان ، ولا تكون ما على هذا القول إلا نافية . وقال الإمام الرازي : ويدل على بطلان هذه القصة التي تروي في حديث هاروت وماروت أنهم ذكروا فيها أن الله تعالى قال لهما : لو ابتليتما مما ابتلي بنو آدم لعصيتماني ، فقالا : لو فعلت ذلك يا رب ما عصيناك وهذا لا يجوز نسبته إلى ملكين ، فإنه رد على الله تعالى ، ويدل على بطلانها أيضا أن التخيير وقع بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، والله تعالى خير العصاة بل الكفار بين التوبة والعذاب ، ولذلك رووا أنهما يعلمان الناس السحر حال كونهما معذبين ، وهذا من أعجب العجب ثم إنهم يروون أن المرأة التي فجرت صعدت إلى السماء ومسخت كوكبا مضيئا من السبعة السيارة ، وهذا مخالف للأقسام بالخنس الجوار الكنس .