الصالحي الشامي
485
سبل الهدى والرشاد
وقال أبو عبيدة : أصله ملاك أيضا ، لكن من لاك إذا أرسل ، وقال أبو عمرو بن الحاجب - رحمه الله تعالى - الوجه هو القول الأول إذ ليس فيه إلا ارتكاب القلب ، ولا بد فيه من إرادة الهمزة في مفرده لورودها في جمعه ، قال ابن كيسان : فعال بعيد ، لان مثل ذلك نادر ، ويفعل كثيرا وحمله على الكثير أولى من حمله على النادر ، لا سيما مع مناسبته للرسالة بخلاف الملك . وأما قول أبي عبيد الله : إنه مفعل من لاك إذا أرسل فبعيد ، لأنه يكون مرسلا لا مرشدا ، وإذا كان من الألوكة كان مرسلا فترجح الأول . الثاني : في حقيقة معناه : ذهب أكثر المسلمين إلى أن الملائكة أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ، مسكنها السماوات ، وهذا المذهب الذي يقوم عليه الدلالة ، وقد دلت الأدلة السمعية على وجود الملائكة وأثبتها أهل الاسلام على الوجه الذي بيناه ، واتفقت على وجودها الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ، والملل كلها مجتمعة على ذلك وإن كان المرجع والاعتماد في إثباتها ووجودها على الأدلة السمعية ، وما قاله الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - واجب المصير في معرفة حقائقهم إلى ما دلت عليه الأدلة السمعية من الكتب الإلهية وقول الأنبياء . الثالث : في وجوب الايمان بهم . قال الله سبحانه وتعالى : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل لما سأله عن الايمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله قال الحافظ أبو بكر البيهقي - رحمه الله تعالى - في " شعب الايمان " ، والايمان بالملائكة ينتظم معاني : أحدها : التصديق بوجودهم . والثاني : إنزالهم منازلهم ، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه ، كالانس ، والجن ، مأمورون مكلفون ، لا يقدرون إلا على ما يقدرهم الله تعالى عليه ، والموت عليهم جائز ، ولكن الله تعالى جعل لهم أمدا بعيدا ، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه ، ولا يوصفون بشئ يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى جده ولا يدعون آلهة كما دعتهم الأوائل . والثالث : الاعتراف بأن منهم رسلا يرسلهم الله إلى من يشاء من البشر ، وقد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض ويتبع ذلك الاعتراف بأن منهم حملة العرش ، ومنهم الصافون ، ومنهم خزنة الجنة ، ومنهم خزنة النار ، ومنهم كتبة الأعمال ، ومنهم الذين يسوقون السحاب ، فقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره .