الصالحي الشامي
486
سبل الهدى والرشاد
وروينا عن ابن عمر عن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن الايمان ، فقال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله . وقال الامام كمال الدين ابن الزملكاني - رحمه الله تعالى - : وبهذا الترتيب المذكور في الآية سر لطيف ، وذلك لان الفوز والكمال والرحمة والخير كله مضاف إلى الله سبحانه وتعالى ومنه والوسائط في ذلك الملائكة ، والقابل لتلك الرحمة هم الأنبياء والرسل ، فلا بد أولا ، من أصل ، وثانيا : من وسائط ، وثالثا : من حصول تلك الرحمة ، ورابعا : من وصولها إلى القابل لها بالأصل المفيض للخيرات والرحمة من الله تعالى ، ومن أعظم رحمة رحم بها عباده إنزال كتبه إليهم ، والموصل لها هم الملائكة ، والقابل لها المنزل عليهم هم الأنبياء ، فجاء الترتيب كذلك بحسب الواقع . الرابع : في مبدأ خلقهم والدلاة على أنهم أجسام خلافا للفلاسفة روى مسلم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم . وروى أبو الشيخ في كتاب " العظمة " عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال : " خلق الله تعالى الملائكة من نور العزة " . وروى أبو الشيخ عن يزيد بن رومان ، أنه بلغه أن الملائكة خلقت من روح الله تعالى . الخامس : في فضلهم وشرفهم . لا نزاع بين العقلاء المثبتين للملائكة في فضلهم وشرفهم ، وعلو مرتبتهم وطهارتهم ، منهم الكرام البررة المطهرون ، العباد المكرمون ، وقد اشتمل القرآن الكريم من فضائلهم وذكر شرفهم عن مقامهم على ما لا يخفى ، وجعل الله تعالى الايمان بهم تاليا للايمان به كما تقدم تقريره ، ومن شرفهم أن الله سبحانه وتعالى جعل شرفهم شهادتهم بالقسط تلو شهادته ، فقد قال تعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ) [ آل عمران 18 ] ومن شرفهم قوله تعالى : ( وله من في السماوات والأرض ومن عنده ) [ الأنبياء 19 ] فخصهم بالتعبدية المقتضية لقرب التكريم والتشريف . وقوله تعالى : ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) [ الأنبياء 20 ] وقوله عز وجل : ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) . وقوه تعالى : ( بأيدي سفرة كرام بررة ) [ عبس 15 ، 16 ] . وقوله عز وجل : ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ) [ الانفطار 10 ، 11 ] إلى غير ذلك من الآيات .