الصالحي الشامي

481

سبل الهدى والرشاد

فالجواب عنه - كما تقدم من ذنوب الأنبياء التي وقعت عن غير قصد وعن سهو وغفلة . فصل معقود لدفع شبه نشأت مما قدمه فإن قلت : فإذا نفيت عنهم صلوات الله عليهم الذنوب والمعاصي بما ذكرته من اختلاف المفسرين وتأويل المحققين - فما معنى قوله تعالى : ( وعصى آدم ربه فغوى ) [ طه 121 ] ، وما تكرر في القرآن والحديث الصحيح من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم ، وبكائهم على ما سلف منهم ، وإشفاقهم . وهل يشفق ويتاب ويستغفر من لا شئ ؟ فاعلم - وفقنا الله وإياك أن درجة الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة بالله ، وسنته في عباده ، وعظم سلطانه ، وقوة بطشه ، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله ، والاشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم ، وأنهم - في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ، ولا أمروا بها ، ثم أوخذوا عليها ، وعوتبوا بسببها ، أو حذروا من المؤاخذة بها ، وأتوها على وجه التأويل أو السهو ، أو تزيد من أمور الدنيا المباحة - خائفون وجلون ، وهي ذنوب بالإضافة إلى علي منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم ، لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم ، فإن الذنب مأخوذ من الشئ الدني الرذل ، ومنه ذنب كل شئ ، أي آخره . وأذناب الناس رذالهم ، فكأن هذه أدنى أفعالهم ، وأسوأ ما يجري من أحوالهم لتطهيرهم وتنزيههم وعمارة بواطنهم وظواهرهم بالعمل الصالح ، والكلم الطيب ، والذكر الظاهر والخفي ، والخشية لله ، وإعظامه في السر والعلانية ، وغيرهم يتلوث من الكبائر والقبائح والفواحش ما تكون بالإضافة إليه هذه الهنات في حقه كالحسنات ، كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، أي يرونها بالإضافة إلى علي أحوالهم كالسيئات . وكذلك العصيان الترك والمخالفة ، فعلى مقتضى اللفظة كيفما كانت من سهو أو تأويل فهي مخالفة وترك . وقوله تعالى : ( غوى ) ، أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهي عنها ، والغي : الجهل . وقيل : أخطأ ما طلب من الخلود ، إذ أكلها وخابت أمنيته . وهذا يوسف عليه السلام قد أوخذ بقوله لاحد صاحبي السجن : ( اذكرني عند ربك ، فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ) [ يوسف 42 ] . قيل : أنسي يوسف ذكر الله . وقيل : أنسي صاحبه أن يذكره لسيده الملك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا كلمة يوسف ما لبث في السجن ما لبث .