الصالحي الشامي
482
سبل الهدى والرشاد
قال ابن دينار : لما قال ذلك يوسف قيل له : اتخذت من دوني وكيلا ، لأطيلن حبسك . فقال : يا رب ، أنسى قلبي كثرة البلوى . وقال بعضهم : يؤاخذ الأنبياء بمثاقيل الذر ، لمكانتهم عنده ، ويجاوز عن سائر الخلق لقلة مبالاته بهم في أضعاف ما أتوا به من سوء الأدب . وقد قال المحتج للفرقة الأولى على سياق ما قلناه : إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا مما لا يؤاخذ به غيرهم من السهو والنسيان ، وما ذكرته ، وحالهم أرفع فحالهم إذا في هذا أسوأ حالا من غيرهم . فاعلم - أكرمك الله - أنا لا نثبت لك المؤاخذة في هذا على حد مؤاخذة غيرهم ، بل نقول : إنهم يؤاخذون بذلك في الدنيا ، ليكون ذلك زيادة في درجاتهم ، ويبتلون بذلك ، ليكون استشعارهم له سببا لمنماة رتبهم ، كما قال : ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) . وقال لداود . ( فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) [ ص 40 ] . وقال - بعد قول موسى : ( تبت إليك ) [ الأعراف 143 ] : ( إني اصطفيتك على الناس ) [ الأعراف 144 ] . وقال - بعد ذكر فتنة سليمان وإنابته : ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب . والشياطين كل بناء وغواص . وآخرين مقرنين في الأصفاد . هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب . وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) [ ص 36 - 40 ] . وقال بعض المتكلمين : زلات الأنبياء في الظاهر زلات ، وفي الحقيقة كرامات وزلف ، وأشار إلى نحو مما قدمناه . وأيضا فلينبه غيرهم من البشر منهم أو ممن ليس في درجتهم بمؤاخذتهم بذلك ، فيستشعروا الحذر ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر على النعم ، ويعدوا الصبر على المحن بملاحظة ما وقع بأهل هذا النصاب الرفيع المعصوم ، فكيف بمن سواهم ، ولهذا قال صالح المري : ذكر داود بسطة للتوابين . قال ابن عطاء : لم يكن ما نص الله تعالى عليه من قضية صاحب الحوت نقصا له ، ولكن استزادة من نبينا صلى الله عليه وسلم . وأيضا فيقال لهم : فإنكم ومن وفقكم تقولون بغفران الصغائر باجتناب الكبائر . ولا خلاف في عصمة الأنبياء من الكبائر ، فما جوزتم من وقوع الصغائر عليهم هي مغفورة على هذا ، فما معنى المؤاخذة بها إذا عندكم وخوف الأنبياء وتوبتهم منها ، وهي مغفورة لو كانت ؟