الصالحي الشامي

480

سبل الهدى والرشاد

والثاني - أنه لم يسمع صاحبه وشغل عنه . وقوله : ( وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي ) [ ص 35 ] . لم يفعل هذا سليمان غيره على الدنيا ولا نفاسة بها ، ولكن مقصده في ذلك - على ما ذكره المفسرون - ألا يسلط عليه أحد كما سلط عليه الشيطان الذي سلبه إياه مدة امتحانه على قول من قال ذلك . وقيل : بل أراد أن يكون له من الله فضيلة وخاصة يختص بها كاختصاص غيره من أنبياء الله ورسله بخواص منه . وقيل : ليكون ذلك دليلا وحجة على نبوته ، كإلانة الحديد لأبيه ، وإحياء الموتى لعيسى ، واختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالشفاعة ، ونحو هذا . وأما قصة نوح عليه السلام فظاهرة العذر ، وإنه أخذ فيها بالتأويل وظاهر اللفظ ، لقوله تعالى : ( وأهلك ) ، فطلب مقتضى هذا اللفظ ، وأراد علم ما طوي عليه من ذلك ، لا أنه شك في وعد الله تعالى ، فبين الله عليه أنه ليس من أهل الذين وعده بنجاتهم لكفره وعمله الذي هو غير صالح ، وقد أعلمه أنه مغرق الذين ظلموا ، ونهاه عن مخاطبته فيهم ، فووخذ بهذا التأويل ، وعتب عليه ، وأشفق هو من إقدامه على ربه لسؤاله ما لم يؤذن له في السؤال فيه ، وكان نوح - فيما حكاه النقاش - لا يعلم بكفر ابنه . وقيل في الآية غير هذا ، وكل هذا لا يقضي على نوح بمعصية سوى ما ذكرنا من تأويله وإقدامه بالسؤال فيما لم يؤذن له فيه ، ولا نهي عنه . وما روي في الصحيح من أن نبيا قرصته نملة فحرق قرية النمل ، فأوحى الله إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح . . . فليس في هذا الحديث أن هذا الذي أتى معصية ، بل فعل ما رآه مصلحة وصوابا بقتل من يؤذي جنسه ، ويمنع المنفعة مما أباح الله . ألا ترى أن هذا النبي كان نازلا تحت الشجرة ، فلما آذته النملة تحول برجله عنها مخافة تكرار الأذى عليه وليس فيما أوحى الله إليه ما يوجب معصية ، بل ندبة إلى احتمال الصبر وترك التشفي ، كما قال تعالى : ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) ، إذ ظاهر فعله إنما كان لأجل أنها آذته هو في خاصته ، فكان انتقاما لنفسه ، وقطع مضرة يتوقعها من بقية النمل هناك ، ولم يأت في كل هذا أمرا نهي عنه ، فيعصى به ، ولا نص فيما أوحى الله إليه بذلك ، ولا بالتوبة والاستغفار منه . والله أعلم . فإنه قيل : فما معنى قوله عليه السلام : ما من أحد إلا ألم بذنب أو كاد إلا يحيى بن زكريا ، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .