الصالحي الشامي
464
سبل الهدى والرشاد
الباب الثامن في عصمته صلى الله عليه وسلم في جوارحه قال القاضي عياض : وأما ما يتعلق بالجوارح من الأعمال ، ولا يخرج من جملتها القول باللسان فيما عدا الخبر الذي وقع فيه الكلام والاعتقاد بالقلب فيما عدا التوحيد ، ما قدمناه من معارفه المختصة به - فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات . ومستند الجمهور في ذلك الاجماع الذي ذكرناه . وهو مذهب القاضي أبي بكر ، ومنعها غيره بدليل العقل مع الاجماع ، وهو قول الكافة . واختاره الأستاذ أبو إسحاق . وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من كتمان الرسالة والتقصير في التبليغ ، لان كل ذلك تقتضي العصمة منه المعجزة ، مع الاجماع على ذلك من الكافة . [ والجمهور قائلون بأنهم معصومون من ذلك من قبل الله ، معتصمون باختيارهم وكسبهم ، إلا حسينا النجار ، فإنه قال : لا قدرة لهم على المعاصي أصلا . وأما الصغائر فجوزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء ، وهو مذهب أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين . وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف ، وقالوا : العقل لا يحيل وقوعها منهم ، ولم يأت في الشرع قاطع بأحد الوجهين . وذهبت طائفة أخرى من المحققين والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر ، قالوا : لاختلاف الناس في الصغائر وتعيينها من الكبائر وإشكال ذلك ، وقول ابن عباس وغيره : إن كل ما عصي الله به فهو كبيرة ، وإنه إنما سمي منها الصغير بالإضافة إلى ما هو أكبر منه ، ومخالفة الباري في أي أمر كان يجب كونه كبيرة . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : لا يمكن أن يقال : إن في معاصي الله صغيرة إلا على معنى أنها تغتفر باجتناب الكبائر ، ولا يكون لها حكم مع ذلك ، بخلاف الكبائر إذا لم يتب منها فلا يحبطها شئ . والمشيئة في العفو عنها إلى الله تعالى ، وهو قول القاضي أبي بكر وجماعة أئمة الأشعرية وكثير من أئمة الفقهاء . قال القاضي رحمه الله وقال بعض أئمتنا : ولا يجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها ، إذ يلحقها ذلك بالكبائر ، ولا في صغيرة أدت إلى إزالة الحشمة ، وأسقطت المروءة ، وأوجبت الازراء والخساسة ، فهذا أيضا مما يعصم عنه الأنبياء