أحمد بن علي القلقشندي
83
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الملك الأشرف وبين الملك دون حاكم . أما سائر النّسخ المتقدّمة فإنها مبتذلة الألفاظ ، غير رائقة التّرتيب ، لا يصدر مثلها من كاتب عنده أدنى ممارسة لصناعة الكلام . والعجب من صدور ذلك في زمن « الظَّاهر بيبرس » و « المنصور قلاوون » وهما من هما من عظماء الملوك ! ! ! وكتابة الإنشاء يومئذ بيد بني عبد الظَّاهر الذين هم بيت الفصاحة ورؤوس أرباب البلاغة ! ! ! ولعلّ ذلك إنما وقع ، لأن الفرنج كانوا مجاورين للمسلمين يومئذ ببلاد الشّام ، فيقع الاتّفاق والتراضي بين الجهتين على فصل فصل ، فيكتبه كاتب من كلّ جهة من جهتي المسلمين والفرنج بألفاظ مبتذلة غير رائقة ، طلبا للسّرعة ، إلى أن ينتهي بهم الحال في الاتّفاق والتراضي ، إلى آخر فصول الهدنة ، فيكتبها كاتب الملك المسلم على صورة ما جرى في المسودّة ، ليطابق ما كتب به كاتب الفرنج ؛ إذ لو عدل فيها كاتب السلطان إلى الترتيب ، وتحسين الألفاظ وبلاغة التّركيب ، لاختلّ الحال فيها عما وافق عليه كاتب الفرنج أوّلا ، فينكرونه حينئذ ، ويرون أنه غير ما وقع عليه الاتّفاق ، لقصورهم في اللَّغة العربيّة ، فيحتاج الكاتب إلى إبقاء الحال على ما توافق عليه الكاتبان في المسودّة . وبالجملة فإنما ذكرت النّسخ المذكورة - على سخافة لفظها ، وعدم انسجام ترتيبها - لا شتمالها على الفصول التي جرى فيها الاتّفاق فيما تقدّم من الزّمان ، ليستمدّ منها الكاتب ما لعلَّه لا يحضر بباله من مقاصد المهادنات ، أغنانا اللَّه تعالى عن الحاجة إليها . واعلم أنه قد جرت العادة ، إنه إذا كتبت الهدنة ، كتب قرينها يمين يحلف بها السلطان أو نائبه القائم بعقد الهدنة ، على التّوفية بفصولها وشروطها ، ويمين يحلف عليها القائم عن الملك الكافر بعقد الهدنة ، ممّن يأذن له في عقدها عنه ، بكتاب يصدر عنه بذلك ، أو تجهّز نسختها إلى الملك الكافر ليحلف عليها ، ويكتب خطَّه بذلك ، وتعاد إلى الأبواب السلطانية .