أحمد بن علي القلقشندي
435
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بشأنه ، واعتنى بأمره ، ومن قام به من الملوك ، ومسافات طيرانه ، وما يجري هذا المجرى . فأما الاعتناء به والاهتمام بشأنه - فقد اعتنى به في القديم خلفاء بني العبّاس : كالمهديّ ثالث خلفائهم ، والنّاصر منهم ، وتنافس فيه رؤساء الناس في العراق لا سيّما بالبصرة . فقد ذكر صاحب « الروض المعطار » ( 1 ) أنهم تنافسوا في اقتنائه ، ولهجوا بذكره ، وبالغوا في أثمانه ، حتّى بلغ ثمن الطائر الفاره منها سبعمائة دينار ، ثم قال : ويقال : إنّه بلغ ثمن طائر منها جاء من خليج القسطنطينيّة ألف دينار . قال : وكانت تباع بيضتا الطَّائر المشهور بالفراهة بعشرين دينارا ، وأنه كان عندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب ، وأنه كان لا يمتنع الرجل الجليل ولا الفقيه ولا العدل من اتّخاذ الحمام ، والمنافسة فيه ، والإخبار عنها ، والوصف لأثرها ، والنّعت لمشهورها ، حتى وجّه أهل البصرة إلى بكَّار بن شيبة البكرانيّ قاضي مصر ، ( وكان في فضله وعقله ودينه وورعه على ما لم يكن عليه قاض ) بحمامات لهم مع ثقات ، وكتبوا إليه يسألونه أن يتولَّى إرسالها بنفسه ، ففعل . وكان الحمام عندهم متجرا من المتاجر ، لا يرون بذلك بأسا . وذكر المقرّ الشّهابيّ بن فضل اللَّه في « التّعريف » أن الحمام أوّل ما نشأ بالديار المصرية والبلاد الشّاميّة من الموصل ، وأنّ أوّل من اعتنى به من الملوك [ ونقله ] ( 2 ) من الموصل الشّهيد نور الدّين بن زنكي صاحب الشّام رحمه اللَّه ، في سنة خمس وستين وخمسمائة ، وحافظ عليه الخلفاء الفاطميّون بمصر ، وبالغوا حتّى أفردوا له ديوانا وجرائد بأنساب الحمام ، وصنّف فيه الفاضل محيي الدّين بن عبد الظاهر كتابا سماه : « تمائم الحمائم » . قلت : وقد سبقه إلى التّصنيف في ذلك - أبو الحسن بن ملاعب
--> ( 1 ) « الروض المعطار في خبر الأقطار » : معجم جغرافي لمحمد بن عبد المنعم الحميري . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية ، عن التعريف .