أحمد بن علي القلقشندي
416
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بعض نواحي الديار المصرية أو الممالك الشامية ، ركب البريديّ على فرس له ، يسير بها الهوينا سير المسافر إلى المكان الذي يريده ، ثم يعود على هذه الصورة ، فيحصل بواسطة ذلك الإبطاء في الذّهاب والإياب . الأمر الثالث ( بيان معالم البريد ) إعلم أنه كان فيما تقدّم في زمن الخلفاء للبريد شخص مخصوص يتولَّى أمره بتنفيذ ما يصدر وتلقّي ما يرد ، يعبّر عنه ب « صاحب البريد » . وممن تعرّض إلى ذكر ذلك أبو جعفر النّحّاس ( 1 ) في كتابه « صناعة الكتّاب » في الكلام على أرباب الوظائف ، واشتقاق أسمائهم . وقد أشار إليه الجوهريّ في صحاحه أيضا فقال : ويقال أبرد صاحب البريد إلى الأمير فهو مبرد يعني أرسل إليه البريد . ثم قد تقدّم في مقدّمة الكتاب في الكلام على صاحب ديوان الإنشاء وماله التّحدّث عليه - أن صاحب ديوان الإنشاء وماله التّحدّث عليه - أن صاحب ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية هو المتولَّي لأمر البريد وتنفيذ أموره في الإيراد والإصدار . وكان للبريد ألواح من فضّة مخلَّدة بديوان الإنشاء تحت أمر كاتب السّرّ بالأبواب السلطانية ، منقوش على وجهي اللَّوح نقشا مزدوجا ما صورته : « لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه ، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلَّه ولو كره المشركون . ضرب بالقاهرة المحروسة » . وعلى الوجه الآخر ما صورته : « عزّ لمولانا السّلطان الملك الفلانيّ : فلان الدّنيا والدّين ، سلطان الإسلام والمسلمين ، فلان ، ابن مولانا السلطان الشهيد الملك الفلانيّ فلان ، خلَّد اللَّه ملكه » ( 2 ) . وفي ذلك اللوح ثقب معلَّق به شرّابة من حرير أصفر ذات
--> ( 1 ) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري ، النحوي . توفي سنة 338 ه . ( وفيات الأعيان : 1 / 99 ) . ( 2 ) وكانت شارة البريديّ في العصر العباسي قطعة من الفضة بقدر الكفّ يعلقها العامل على كتفه ، كتب على إحدى صفحتيها البسملة واسم الخليفة ، وعلى الصفحة الأخرى : « إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا » ( الموسوعة الفلسطينية : 1 / 389 ) .